المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٨٣
قلنا لهم في الجواب: قد بيّنا فيما سبق أنّ لطف الرئاسة ذو ثلاث شعب:
أحدها متعلّقة به تعالى، و ثانيها بالإمام، و ثالثها بالامّة، فإذا حصل ما هو من جهته تعالى و ما هو من جهة الإمام و لم يحصل ما هو من جهة الرعيّة فيقوتها لطف الرئاسة فقد اتيت من قبل نفوسهم في ذلك و كانت الجناية [١] من جهتهم في ذلك و اللوم يرجع إليهم و هم قادرون على نصرته و طاعته، فينبسط يده فيتصرف و يسوسهم و يحصل ما هو لطف لهم، فإذا لم يفعلوا ذلك و يفوتهم لطف الرئاسة فذلك بجنايتهم على أنفسهم، و اللوم فيه يرجع إليهم، ما هذا إلّا كما يفرّط المكلّفون في العبادات الشرعية التي علم تعالى أنّ صلاحهم في أدائها و كلّفهم أدائها فيفوتهم مصلحتهم المتعلّقة بها عند تفريطهم فيها في أنّ الجناية في ذلك من قبلهم و اللوم إليهم يرجع، فعلى هذا لا يلزم العصمة في الرعيّة و لا التسلسل.
فأمّا ما ذكره أبو الحسين في أثناء تقرير هذا الإلزام من قوله: فيجب في حكمة اللّه تعالى أن يخلق جندا معصومين، فكلام غير محصّل و لا محقّق، و ذلك أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ كون الجند معصومين يتعلّق به تعالى، و ليس الأمر كذلك، لأنّ العصمة و إن كانت لطفا من جهته تعالى فانّ ذلك اللطف انّما يكون عصمة و يوصف بالعصمة بأن يقوم المكلّف عنده على فعل جميع ما يجب عليه، بحيث لا يخلّ بشيء منها و لا يرتكب قبيحا حتى لو فعل تعالى اللطف و لم يعزم المكلّف على ما ذكرناه لم يكن ذلك اللطف عصمة، فعلى هذا التقرير كون المكلّف معصوما و اتّصافه بذلك متعلّق به و باختياره، لا به تبارك و تعالى، فكيف يصحّ قوله: فيجب في حكمة اللّه تعالى أن يخلق جندا معصومين؟
[١] م: الخيانة.