المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٢
من الضرر فيه، فبطل ما قيل في السؤال، على أنّه يلزم على هذا تجويز أن يكون جميع القبائح في الشاهد انّما قبحت لثبوت الضرر فيها دون وجوهها المعروفة.
و بعد فكان يجب تقدير ألا يستضرّ أحدنا بتأخّر بعض الامور عنه أن يحسن منه أن يفوّضه و يجعله إلى من لا معرفة له به، و معلوم خلافه.
إذا تقرّر هذا بطل قول مخالفينا: إنّه مهما ورد عليه حادث لا يعلم حكمه رجع فيه إلى العلماء و الاستفتاء منهم، لأنّه قد تبيّن بما ذكرناه أنّ فقد العلم هو وجه القبح لا فقد الطريق إلى العلم، هذا إن سلّمنا أنّ ذلك طريق له إلى العلم، فكيف و ذلك غير مسلّم؟ إذ الاستفتاء شرّع للعوام دون الإمام، و أيضا فانّه يلزمهم على ما جوّزوه أن يجوّزوا أن يولّي للإمامة من لا يعرف أصلا شيئا من الأحكام، و يرجع في جميعها إلى العلماء.
فإن قيل: يلزمكم على ما ذهبتم إليه أن يعلم الإمام سائر الصناعات و الحرف و قيم المتلفات و أروش الجنايات، لأنّه يقع الترافع في جميع ذلك إلى الإمام.
قلنا: إنّما أوجبنا كون الإمام عالما بجميع الأحكام من حيث كان حاكما في جميعها و رئيسا و متقدّما على الامّة في كلّها، و لم نوجب كونه عالما بما لا تعلّق له بالأحكام و لا يكون هو متقدّما فيه، و جميع ما ذكر لا تعلّق له بما أوجبناه، لأنّ الإمام ليس إماما في الحرف و الصنائع، فمتى وقع خلاف بين أهلها راجع أهل الخبرة فيما يصحّ عنده من قول أهل الخبرة حكم فيه بما هو عالم به من حكم اللّه تعالى الذي علّمه من جهته و لم يحتج فيه إلى مراجعة غيره، و إن اختلف أهل الخبرة رجع إلى قول أعدلهم، فإن تساووا كان مخيّرا في جميعه، و لا يكون رجوعه إلى أهل الخبرة إلا كرجوعه و رجوع القاضي الى قول الشهود إلى تصحيح الدعوى فكما أنّ رجوع القاضي إلى قول الشهود لا يقدح في حقّه إذا حكم عند شهادتهم بما علمه، كذلك رجوع الإمام إلى أهل الخبرة ليحكم عند قولهم بما