المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٩
وجوب نصّ الرئيس بالسمع من الآيات و الإجماع، هذا هو مرادنا، لا أنّا ندّعي أنّ الرئيس ينبغي أن يهتدي إلى تأديبه بعقله من دون سمع و نصّ و توقيف، ألا ترى أنّا نذهب [١] إلى أن الرئيس انّما يتعيّن بالنص و لم ينقض ذلك قولنا أنّ الرئاسة واجبة عقلا، بمعنى أنّا نعلم بعقولنا وجوب أن ينصب اللّه تعالى رئيسا لنا، فكما أنّ مذهبنا في وجوب النص لا ينقض أصلنا في كون الرئاسة واجبة عقلا، كذلك قولنا: بتنصيص اللّه تعالى الإمام على الحدود المعيّنة، و لا ينقض أصلنا ذلك، و اندفع الخيال.
يبيّن ما ذكرناه و يزيده وضوحا أنّ العلم بالعقاب لطف، بلا خلاف بيننا، و هو من الألطاف العقلية، أي ممّا يعلم كونه لطفا و وجوب تحصيله عقلا، ثمّ عند أصحابنا أنّ استحقاق العقاب يعلم سمعا، و لم يكن هذا المذهب نقضا لما قالوه من أنّا نعلم بالعقل أنّ العلم باستحقاق العقاب لطف داع إلى الواجب و صارف عن الإخلال به و عن القبيح، و انه يجب على المكلّف الحكيم ان يكلّف المكلّف تحصيله، و يجب على المكلّف تحصيله، لأنّ العلم السمعي تعلّق بنفس استحقاق العقاب و العقلي تعلّق بوصف العلم باستحقاق العقاب من كونه لطفا واجبا، فتغاير متعلّق العلمين، إذ أحدهما نفس الاستحقاق، و الآخر العلم بالاستحقاق و أوصافه، فلم يتناقض القولان، كذلك في مسألتنا إذا لم يهتد الإمام إلى أنواع العقوبات و التأديب الذي به يسوس الرعية إلّا من جهة السمع لم ينقض ذلك قولنا انّا نعلم كون الرئاسة و تصرّف الرئيس بتلك العقوبات لطفا واجبا من جهة العقل، لأنّ العلم السمعي يتعلّق باستحقاق تلك العقوبات و تعيينها و مقاديرها، و العقلي يتعلّق بكون إقامتها و الخوف من إقامتها لطفا واجبا، فمتعلّق أحد العلمين وصف،
[١] م: لا نذهب.