المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٨
و الجواب: أنّه تعالى حكم بأنّ من على وجهه غبرة ترهقها قترة هم كفرة فجرة، فحكم بذلك على الجملة، فلا يمتنع أن يكون بعضهم كفرة و بعضهم فجرة، لأنّه قد يحكم بأنّهم كفرة فجرة إذا كان بعضهم كفرة و بعضهم فجرة.
و بعد فأنّ هذا التقسيم لا يمنع من قسم آخر كما قلناه في الآية التي تمسّكوا بها قبل هذه الآية، و هم قوم على وجوههم غبرة لا ترهقها قترة، و هم الفاسقون.
و منها: قوله عزّ و جلّ: «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» [١].
قالوا: و المراد بذلك الجزاء العقاب، لأنّ الكافر لا يجازى بالثواب، و معلوم أنّ الفاسق يجازى بالعقاب، فكان كفورا.
و الجواب: أنّه تعالى أراد بذلك هل نجازى بعذاب الاستئصال، إلّا الكفور، لأنّه تعالى قد أجرى العادة بأن يعاقب بهذا الضرب من الجزاء الكفّار دون غيرهم، لأنّ ما قبل الآية يقتضي ذلك، لأنّ تعالى قال: «فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» [٢].
و بعد فانّ ما دللنا به على أنّ الفاسق لا يسمّى كافرا يدلّ على صحة تأويلنا هذا.
و منها: قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» [٣].
قالوا: و هذا عامّ في كلّ لم يحكم بما أنزل اللّه، إلّا ما أخرجه الدليل.
قالوا: و لا يجب قصر ذلك على اليهود، لأنّ الخطاب المستقبل بنفسه لا يجوز أن يقصر على مسببه.
[١] سبأ: ١٧.
[٢] سبأ: ١٦- ١٧.
[٣] المائدة: ٤٤.