المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠٤
جهلا قبيحا، و أراد في تلك الحالة أن يتوب من ظلم ظلمه على غيره. أ ليس يلزم أن يندم على اعتقاده الذي اعتقده في النبوّة؟.
قلنا: هذا الذي فرض لا يتفق عندنا في العارف المستكمل للمعرفة بجميع أبواب التوحيد و العدل، لأنّه يكون مؤمنا و برجوعه عن اعتقاد النبوّة يكفر، و المؤمن عندنا لا يكفر بعد إيمانه، لما بيناه من بطلان الارتداد. فإن فرض ما ذكر في السؤال في غير المؤمن المستكمل لجميع معارف التوحيد و العدل لوجوبها كان الجواب ما ذكرناه عنهم من قبل، لا يحتاج إلى جواب آخر.
القول في حقيقة العفو و حسنه و سقوط العقاب به.
أمّا حقيقته، فهي إسقاط صاحب الحقّ أو من ينوب عنه ما يستحقّه على الغير الذي يستضر باستيفائه منه. و ذلك بأن يهبه له، أو يقول: أسقطت عنك حقّي عليك، أو ما يقوم مقام هذا القول. فأمّا ترك استيفاء الحقّ فإنّه لا يكون عفوا أو إسقاطا له، و إن كان الوقت وقت الاستيفاء.
و إنّما قلنا: «أو من ينوب عنه»، لأنّ المولى إذا رأى غبطة المولّى عليه في أن يصالح غريمه و يسقط بعض حقّه عليه، و فعل ذلك، يسمّى فعله ذلك عفوا.
و على هذا قال تعالى: «إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» [١].
و أمّا حسنه فظاهر، لأنّه من جملة النعم [و] من أعظمها، إذ دفع الضرر عن الغير أدخل في باب النعم من إيصال النفع إليه. فعلى هذا القول التفضّل بالعفو عن عقاب المذنب حسن في العقل، و متى أسقط اللّه العقاب سقط.
و وافقنا في حسنه من جهة العقل أبو عليّ و أبو هاشم و أصحابها من معتزلة البصرة، و لكنّهم يقولون انّ السمع منع من وقوعه. و سنبيّن بطلان ما يدّعونه من
[١] البقرة: ٢٣٧.