المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٣
إنّما سمّاهم مؤمنين بعد قول جميع ما تقدّم ذكره.
قلنا: الآية لا تقتضي نفي اسم الإيمان عمّن ليس بالصفات المذكورة فيها، و انّما يفيد نفي التفضيل و التعظيم، و كأنّه تعالى قال: إنّما افاضل المؤمنين و خيارهم من كان بهذه الصفات، كما يقول أحدنا: إنّما الرجل من يملك نفسه عند الغضب، و إن كان من لا يكون كذلك لا يخرج عن كونه رجلا، و إنّما يخرج عن الفضل و الكمال، و كذا في قولهم: إنّما المال التبر، و إنّما الظهر الإبل، لأنّ مرادهم بذلك نفي التفضيل من غير التبر و من غير الإبل، على انّا لو سلّمنا لهم أنّ لفظ «مؤمن» منتقل إلى مستحقّ المدح و الثواب لوجب إجرائه على العارف باللّه و توحيده و عدله.
فإن قالوا: ثواب معارفه قد انحبط.
قلنا: قد بيّنا فساد القول بالإحباط فبطل ما قالوه.
فإن قالوا: قوله تعالى: «بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ» [١] يدلّ على أنّ اسم الفسوق و اسم الإيمان لا يجتمعان، لأنّه تعالى قال: «بعد الإيمان».
قلنا: غير مسلّم أنّه تعالى أراد بقوله: «بعد الإيمان» بعد زوال اسم الإيمان حتّى يكون لكم فيه حجة، بل بم تنكرون على أنّه أراد بعد أن كان يسمّى مؤمنا فحسب، و لم يسمّ معه بأنّه فاسق، كما يقول القائل: جاءني زيد بعد عمرو، فانّه لا يدلّ على أنّ مجيء زيد كان بعد موت عمرو أو بعد خروجه من عنده، بل انّما يدلّ على أنّ مجيئه كان بعد مجيء عمرو، و إن اجتمعا عنده و كانا حاضرين عنده في حال قوله هذا.
يبيّن ما ذكرناه قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» [٢] فانّه يفهم منه أنّ من المؤمنين من يلبس إيمانه بظلم فيكون مؤمنا ظالما، و الظلم من
[١] الحجرات: ١١.
[٢] الأنعام: ٨٢.