المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٣
وَ الرَّسُولِ» [١].
قالوا: بيّن اللّه تعالى أن الردّ إلى اللّه و إلى الرسول إنّما يجب في المتنازع فيه، فيفهم منه أنّ غير المتنازع فيه ممّا اتفقوا و أجمعوا عليه لا يجب ردّه إلى اللّه و إلى الرسول، و لا يكون كذلك إلّا و هو حقّ.
و بيّنوا ذلك بأن قالوا: شرط تبارك و تعالى الردّ بوقوع التنازع بقوله: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ» و التقييد بالشرط مهما كان بحيث لو لم يكن في غير المشروط أنّه بخلاف المشروط للغى وضاع الشرط وجب قصر الحكم على الشرط و القضاء بأنّ غير المشروط بخلاف المشروط، فأمّا إذا لم يكن كذلك فانّه لا يجب أن يكون غير المشروط بخلاف المشروط، بل يجوز أن يكون حكمهما واحدا، و ذلك كقوله تعالى: «وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» [٢] إذ إكراههنّ على البغاء منهيّ عنه ممنوع منه، أردن التحصّن أو لم يردن، و مع ذلك فالشرط لا يلغو و لا يضيع، بل تبقى له فائدة، و ذلك لأنّه تعالى منع بهذا الخطاب وليّ المرأة عن العضل و هو أن لا يزوجها من الكفؤ مع أنّها تريد التزوّج، لأنّ التزوّج يغنيها عن الزنا فيكون تحصّنا من البغاء، و كأنّه تعالى قال للولي:
لا تمنعها من التزوّج بالكفو إن أرادت التحصّن به، فيكون كأنّك حملتها على البغاء و أكرهتها عليه و معلوم أنّ هذا المعنى إنّما يثبت إذا أرادت التزوّج، فأمّا إذا لم ترد التزوّج فبأن لا يزوّجها الوليّ لا يكون في حكم الحامل المكره لها على البغاء. فبقي للاشتراط [٣] هذه الفائدة و هي أنّ إكراههن على البغاء على الوجه الذي بيّناه و قرّرناه إنّما يثبت و يتمّ بعد أن يردن التحصّن بالتزوّج، و مثل هذا لم يثبت في الآية التي تمسّكنا بها، بل لو يقصر الحكم على الشرط للغي الشرط.
[١] النساء: ٥٩.
[٢] النور: ٣٣.
[٣] في (ج) و (م): الاشتراط.