المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧١
فيجب على مقتضى احتجاجهم أن يجوّزوا إجماعهم على خطأ صغيرة فلا يجب اتّباعهم.
و منها: أنّ الآية كالمجملة، لأنّه تعالى لم يقل إنّهم جعلوا عدولا في كلّ شيء و في جميع أقوالهم و أفعالهم، و من ادّعى عموم ذلك فعليه الدلالة، و أمّا ما أكدّوا به هذا الاحتجاج فالاعتراض عليه أنّ الرسول لم يكن قوله حجّة من حيث كان شهيدا و لم تجب عصمته بسبب الشهادة، بل إنّما وجب عصمته لكونه نبيّا، ثمّ إذا شبّهوا الامّة بالرسول بمقتضى الآية فانّما يجب أن يجنّبوا عمّا يجنّب عنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو الكبائر دون الصغائر، فهلّا جاز أن يجمعوا على خطأ صغيرة فلا يجب اتّباعهم فيه.
و تمسّكوا أيضا بقوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» [١].
قالوا: وصفهم اللّه تعالى بأنّهم خير أمّة أي خير الامم و بأنّها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، و هذا غاية الثناء و الإطراء عليهم. و مثل هذا الثناء لا يليق بمن يجوز عليهم الإجماع على الخطأ.
و الاعتراض عليهم في هذا التمسّك من وجوه:
منها: أنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ الامّة كانوا بهذه الصفات فيما مضى، لأنّ قوله: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ» إخبار عن الماضي، و لا يفهم من الظاهر أنّهم موصوفون بهذه الصفات في جميع الأحوال.
يبيّن ما ذكرناه أنّ القائل إذا قال: كنت أو كنت كذا، فانّ المفهوم من قوله الإخبار عن الماضي، و لا يفهم من قوله هذا جميع الأحوال بحيث يستوى فيه الحال و الاستقبال، و الذاهبون إلى دليل الخطاب تضيق عليهم الحيلة في هذا
[١] آل عمران: ١١٠.