المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠٧
و هو تعالى كالرادّ لذلك الإسقاط، و ليس كذلك إسقاط العقاب عن العصاة، فانّهم يستضرّون باستيفائه عنهم، و ينتفعون بإسقاطه عنهم.
و أمّا العوض المستحقّ على غيره تعالى، فانّما يحسن إسقاطه و يسقط بإسقاط مستحقّه، إذا كان عاقلا مميّزا. و قد قال البغداديون في إسقاط العقاب إخلال بواجب في الحكمة، و هو زجر المكلّف عن المعصية بالوجه الأبلغ و بما هو أزجر له، و ذلك لأنّ المكلّف إذا علم أنّه متى عصى وصل إليه العقاب لا محالة كان ذلك أزجر له عن المعصية ممّا إذا جوّز غفرانهما، و ربما قالوا في إسقاط العقاب وجه قبح، و هو فوات اللطف، و لا يجوز في حكمته تعالى أن يمنع المكلّف ما هو لطف له.
و الجواب عنه أن نقول [١]: إن كان من الواجب أن يفعل المكلّف [٢] ما يكون أزجر له من المعصية لوجب أن يقبح منه تعالى قبول التوبة، لأنّ المكلّف مع قطعه على نزول العقاب به مهما عصى على كلّ حال، تاب أو لم يتب، كان أبعد من المعصية، و كان ذلك أزجر له عنها، ممّا إذا جوّز خلاصه من العقاب بالتوبة.
فإن قالوا: التوبة يجب قبولها، فلا يجوز و لا يوافق الحكمة أن لا يقبلها.
قلنا: فقد رجعتم إلى أنّ الأزجر للمكلّف إنّما يجب فعله به بشرط انّ يوافق الحكمة، فبيّنوا أنّ قطع المكلف على عقابه و على أنّه تعالى لا يعفو عن عاص أصلا و البتة أزجر له على وجه يوافق الحكمة، و بم تنكرون على من يقول إنّ رجاء العفو و الطمع فيه أوفق للحكمة و أليق بها، من حيث إنّا رأينا كثيرا ممّن حبسهم السلطان و أوعدهم بالعقوبات إذا يئسوا من عفوه و قطعوا الطمع عنه و تيقّنوا عقوبته لهم زادوا في عصيانه و سبّه و الوقيعة فيه، و إذا طمعوا من جهته
[١] م: يقول.
[٢] م: بالمكلّف.