المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٦٤
لا انبعاث هؤلاء الأنبياء لما وقع شيء من هذه القبائح، فيجب على مقتضى قول السائل أن يكون بعثة هؤلاء الأنبياء مفسدة، و كلّ ما يدفع به هذا الإلزام عن نفسه بمثله ندفع إلزامه إيّانا ما ألزمه.
فإن قيل: إنّ المكذّبين للأنبياء كانوا عصاة كفّارا قبل انبعاثهم، فكانت معصيتهم و كفرهم متقدّمة على انبعاث الأنبياء.
قلنا: لم نلزمكم ما ذكرناه في معاصيهم السابقة، بل فيما تجدّد عند انبعاثهم و دعواهم النبوّة، و كذلك نلزمه أن يكون تكليف الكافر و العاصي مفسدة من حيث إنّه يقع عند التكليفين الكفر و المعصية، و لو لا تكليفهما لما وقع الكفر و لا المعصية، فما يدفع به هذا الإلزام ندفع بمثله إلزامه.
ثمّ نقول له: إنّك انسيت في سؤالك هذا ما هو معتبر في حقيقة الاستفساد و المفسدة بالاتّفاق بيننا و بينك، و هو أن لا يكون تمكينا و لا حظّ له في التمكين، بل يكون منفصلا عنه، و لو لا هذا التقييد للزم أن تكون القدرة مفسدة، لأن عندها يقع الفساد، و لو لاها [١] ... لم تكن مفسدة، و كذا كان يلزم أن يكون خلق الشهوة و النفرة مفسدة، لأنّ الفساد [٢] القبيح المشتهى و الإخلال بالواجب الذي ينفر عنه طبع المكلف يقع عنده و لو لاه ما [٣] ... لما كان معدودا في التمكين لم يكن مفسدة.
إذا تقرّر هذا فنصب أمير المؤمنين عليه السلام و التنصيص عليه بالإمامة تمكين للقوم من أن يعرفوه إماما فيطيعوه و ينصروه و ينزلوا تحت أمره و نهيه، فيصلوا بذلك إلى ما هو لطف لهم من تصرّفه فيهم و تدبيرهم و إقامة السياسة فيما بينهم، إذ هم لا يتمكّنون من معرفة إمامته إلّا بالتنصيص عليه على ما بينّاه من
[١] بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
[٢] بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
[٣] بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات، و لفظة (ما) غير موجودة في نسخة (م).