المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٢
الإحسان لا يقابل الاستخفاف المستحقّ على الكفر، و إنما يمتنع اجتماع المتقابلين من ذلك.
قلنا: و كذلك إنّما يمتنع اجتماع التعظيم و الاستخفاف معا إذا تعلّقا بفعل واحد، فأمّا مع تغاير متعلّقهما فانّه لم يستحلّ اجتماعهما. فإن تعلّلتم في ذلك بشيء تعلّل أبو عليّ فيما خالفكم فيه بمثله.
و منها: أن قالوا: من حقّ الثواب و العقاب أن يكونا دائمين صافيين من كلّ شوب فلو استحقّا في الحالة الواحدة لم يخل من أن يستحقّ فعلهما على الجمع او [١] البدل. فإن جمع بينهما خرجا عن الصفة اللازمة لهما، و إن فعلا على البدل فكمثل الأوّل، لأنّ أيّهما قدّم على الآخر فالمفعول به ينتظر وقوع الآخر، و ذلك يوجب الشوب و نفي الخلوص، لأنّه إن كان المقدّم هو الثواب و المثاب ينتظر العقاب فيلحقه بذلك غمّ و تنغيص، و إن كان العقاب هو المقدّم فالمعاقب ينتظر الثواب فيلحقه بذلك سرور و راحة.
و بعد، فإن كانا دائمين و لم يمكن الجمع بينهما فلا بدّ من أن يتلو الثواب العقاب، و العقاب الثواب، و الإجماع مانع من أن يتلو العقاب الثواب، فعلى هذا يمتنع فعلهما على الوجهين جميعا، و إذا امتنع فعلهما امتنع استحقاقهما.
و الكلام عليهم في هذا الوجه أن يقال لهم: أنتم تتمسّكون في تصحيح مذهبكم في التحابط بوجوه عقليّة و وجوه سمعيّة، و هذا الوجه تعدّونه في الوجوه العقليّة و توردونه فيها و لا توردونه في الوجوه السمعيّة، و إذا كان كذلك فما هو مبنى دليلكم هذا غير معلوم عقلا، إذ العقل لا يدلّ على كون الثواب و العقاب صافيين من كلّ شوب. فمن ادّعى ذلك فعليه الدلالة و لن يجدها. و كذا لا يدلّ على دوامها، و قد بيّنا ذلك من قبل.
[١] م: و