المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٧
المنكر منكرا، و وقوع المعروف و نفي وقوع المنكر.
أمّا الغرض الأوّل و هو التعريف، فالمعرفة بقبح القبائح العقلية حاصلة للعقلاء كلّهم، و أمّا المناكير الشرعيّة، فالمعرفة بقبح معظمها و أكثرها حاصلة لأهل الإسلام، فبطل أن يكون الغرض فيهما التعريف، فلم يبق إلّا الغرض الثاني و هو وقوع المعروف و نفي وقوع المنكر، فإذا علم أو غلب على الظنّ أن الأمر و النهي لا يؤثّران، كان هذا الغرض أيضا فائتا، فيقبح و لا يحسن.
و قد ذكر الشيخ أبو الحسين: أنّ هذا التعليل لا يصحّ لمن يجوّز ورود الشرع بوجوب ما في العقل وجوبه و قبح ما فيه قبحه، مع العلم بأنّ كثيرا من المكلفين لا يطيعون فلا يؤدّون تلك الواجبات و لا ينتهون عن تلك القبائح، مع معرفتهم بوجوب تلك الواجبات و قبح تلك المقبّحات من دون الشرع، و ذلك لأنّ الشرع في ذلك ما ورد عليهم للتعريف من حيث أن المعرفة حاصلة لهم بالعقل، و انّما ورد ليمتثلوا فيفعلوا الواجب و يمتنعوا من القبيح و اذا كان هذا هو الغرض و هو فائت في حقّ من المعلوم أنّه يعصي و لا يطيع، و مع ذلك فانّ هذا القائل يقول بحسن ورود الشرع به، فيجب أن يقول يحسن أيضا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع علم الآمر و الناهي أو غلبة ظنّهما أنّ قولهما لا يؤثّر [١].
قال الشيخ أبو الحسين: فأمّا من يقول: إنّ تكليف من المعلوم من حاله أنّه يكفر، لا يحسن، إلّا إذا كان فيه لطف لمكلّف، فانّ له أن يقول بقبح هذا الأمر و النهي من حيث لم تكن فيهما فائدة [٢].
و قد فرّق صاحب الفائق بين الموضعين بأن قال: غرض المكلّف تعالى بتكليف الامتناع من القبائح العقليّة و الإتيان بواجبها بالشرع هو تأكيد التكليف العقليّ. و ليس كذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لأنّ قول
[١] لا يوجد لدينا كتاب الغرر.
[٢] لا يوجد لدينا كتاب الغرر.