المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٠
قالوا: فهذه الآيات دالّة بصريحها على صحّة القول بالإحباط و تشهد بها.
و الرّدّ عليهم في تمسّكهم بهذه الآيات أن يقال لهم: اتفقنا نحن و إيّاكم على أنّ ظواهر القرآن ينبغي ان تبنى على أدلّة العقول، و لا تبنى أدلّة العقول على القرآن، لأنّ العقل هو الأصل و ما عداه فرعه، و لأنّ الكلام يدخله الاحتمال و المجاز و الأدلة لا تدخلها شيء من ذلك. و هكذا فعلنا جميعا بالاتفاق فيما تعلّق به المشبّهة و المجبّرة من الظواهر في الكتاب و السنّة، و إذا كان كذلك و قد دللنا على بطلان الاحباط، و بيّنا أن التحابط لا يقع بين الأعمال و لا بين المستحقّ عليها وجب صرف ما يرد من القرآن بخلاف ذلك إلى غير ظاهره و تأويله على ما يوافق الدليل العقليّ.
هذا لو كان لما تمسّكوا به من الآي ظاهر دالّ على صحّة قولهم فكيف و لا ظاهر لشيء ممّا أورده يشهد لقولهم، بل هو إلى الشهادة لقولنا أقرب، لأنّ الإحباط في جميعها متعلّق بالأعمال. و كلّ من خلفنا في هذه المسألة، إلّا من شذّ، يعلّق الإحباط بالمستحقّ عليها. فالظاهر بخلاف قولهم، لأنّ على قولهم يجب تقدير محذوف في جميع الآيات، و لا نحتاج نحن إلى مثل ذلك، لأنّ الإبطال و الإحباط عندنا يتعلّق بنفس العمل لا بما يستحقّ عليه.
و معنى ما قلناه أنّ الفعل إنّما يكون طاعة و قربة و مستحقا عليها الثواب إذا وقع على الوجه الذي يقتضي استحقاق الثواب و لو وقع على خلاف ذلك الوجه لم يكن طاعة و لا قربة و لا ممّا يستحق به الثواب فيسمّى متى وقع على خلاف الوجه الذي يستحقّ به الثواب بأنّه محبط مبطل [١] من حيث لم يقع [٢] على الوجه الذي يستحقّ به الثواب.
[١] عبارة «فيسمّى ... إلى قوله: مبطل» ليست في (ج).
[٢] ج: إذا وقع.