المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٤
فأمّا قولهم: «إنّ ذلك يؤدّي إلى كون كلّ واحد منهما مشوبا غير خالص»، فالجواب عنه أن نقول:
قد ذكرنا أنّ كونهما خالصين غير مشوبين ممّا لا يعلم عقلا، غير أنّ ذلك و إن لم يعلم عقلا فانّه معلوم سمعا، فنقول: إذا سلّمنا أنّ علم المعاقب أو تجويزه انقطاع عقابه إلى ثواب مخفّف عنه و يلحقه راحة، و أنّ علم المثاب أو تجويزه انقطاع ثوابه إلى عقاب ينغص [١] عليه كما قالوه و اقترحوه، و ما [٢] المانع من أن يصرف اللّه تعالى المثابين و المعاقبين عن الفكر في انقطاع ما هم فيه و يشغلهم عنه حتّى يخلص كلّ واحد منهما لأجله [٣].
فإن قالوا: لا بدّ من أن يكون المثابون و المعاقبون كاملي العقول، عالمين بالثواب و كيفيّة وصوله إليهم، و كونهم بهذه الصفة يقتضي فكرهم في دوامه و انقطاعه.
قلنا: أمّا كمال العقل فلا بدّ منه في المثابين، إلّا أنّه لا يقتضي الفكر فيما ذكرتموه وجوبا، من حيث أنّ كامل العقل لا يتحتّم أن [٤] يكون مفكّرا في كلّ شيء. وهبوا أنّ دواعيهم تقوى مع كمال عقلهم إلى الفكر فيما ذكرتموه، لم [٥] لا يجوز أن يصرفهم اللّه تعالى عن ذلك و يقابل دواعيهم بصوارف من الفكر فيه، حتّى أنّ المثاب مثلا كلّما همّ بالفكر في انقطاع ثوابه أو دوامه، فعل اللّه من اللذّات له و العجائب منها ما يستغرق فكره و يصرفه العجب منها و الالتذاذ بها و الفكر فيها عن الفكر فيما سواها، و يفعل أيضا بالمعاقب في كلّ حال من الآلام و الأهوال و المناظر القطعيّة ما يشغله و يستغرق فكره عن غيره.
[١] ج: ينقض.
[٢] ج: ما
[٣] م: لأهله.
[٤] م: من أن.
[٥] ج: و لم.