المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٥
قلنا: فالثابت بالإجماع مردود أيضا إلى اللّه تعالى، فأين فائدة الشرط؟.
إن قالوا: إنّ الردّ لا يقال إلّا فيما يقع فيه النزاع ممّا نصّ تعالى عليه مجملا، فيرجع فيه إليه ليبيّنه، فأمّا ما بيّنه في الابتداء و لم يقع فيه نزاع و إن كان ثابتا من جهته، فانّه لا يرد فيه إليه، و لا يقال ذلك فيه.
قلنا: فقد سوّيتم بين الاشتراط في هذه الآية و بين الاشتراط في قوله تعالى:
«وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» و أبطلتم الاستدلال بالآية، و ذلك لأنّ فائدة الاشتراط على ما ذكرتموه هي أنّ الردّ لا يقال و لا يكون إلّا في المتنازع، فأمّا غير المتنازع فيه و ان كان ثابتا بنص صريح مبيّن من جهته تعالى فإنّه لا يقال [١] و لا يستعمل فيه الردّ و لا يسمّى مردودا إليه تعالى.
تمسّكوا بما يروى عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله أنّه قال: لا تجتمع أمّتي على خطأ [٢].
و الاعتراض عليهم في ذلك أيضا من وجوه.
منها: أنّا لا نسلّم صحّة هذا الحديث، لأنّه منقول من طريق الآحاد و لا يقتضي إلّا الظنّ، و مسألتنا مسألة اصوليّة قطعيّة، فلا يجوز المصير فيها إلى ما يوجب الظنّ.
فإن قيل: هذا الحديث و إن نقل من طريق الآحاد فهو ممّا تلقته الامّة بالقبول و لم يتوقّف في معناه أحد، و ذلك يدلّ على صحّته.
قلنا: و من أين أنّ ما يتفق الامّة في قبوله و لم تنازع في صحّته كان حقّا صحيحا؟ و هل النزاع إلّا فيه؟ فهذا استسلاف من القوم للإجماع و صحّته.
و لئن صحّ لهم الإجماع و كونه حجّة لما احتاجوا إلى التمسّك بالحديث.
[١] قوله: «و لا يكون إلّا في المتنازع ... إلى قوله: فانّه لا يقال» سقط في (ج).
[٢] سنن أبي ماجه: ج ٢ ص ١٣٠٣ و لفظه: «انّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة».