المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٤٣
بِهِ» ابتداء آية اخرى، فلا يتحتّم أن يكون بينهما تلفيق يظهر لكلّ أحد.
ثمّ من عجيب الأمر أنّ هذا المؤوّل إنّما أورد قوله تعالى: «وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ» إلى قوله عزّ و جلّ: «نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى»، و لم يورد قوله: «وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً»، كأنّه تنبّه أنّ في إيراد ذلك ضعف تأويله، بأن يقال له: إنّه تعالى أوعدهم بعاجل ما سميته خذلانا من تركهم و ما يختارونه بآجل العقوبة التي هي صلاهم بالنار و كأنّه تعالى قال: «وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ... الآية» نخذله عاجلا و نصله نار جهنّم آجلا، ثمّ قطع طمعهم عن العفو بقوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ».
ثمّ يقال له: إذا قال تعالى: «نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ» لما ذا حملت قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» على ما أوعدهم به عاجلا دون ما وعدهم به آجلا؟.
فأمّا قوله عقيب هذه الجملة: «فدلّ أوّل الآية في الموضعين و آخرها على ما اخترناه من التأويل»، فمن أعجب ما يقال، لأنّ ما قبل الآية هب أنّه يدلّ على ما اختاره بالوجه الذي ألزقه [١]، من أيّ وجه يدلّ ما بعدها، و هو قوله تعالى في أحد الموضعين: «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً»، و في الموضع الآخر «فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» على صحّة تأويله؟ فهذا ممّا لا يليق بأهل العلم و الفضل أن يقولوه.
ثمّ قوله: «فدلّ أول الآية في الموضعين و آخرها عليه»، استدراك لفظيّ، و هو أنّ أوّل الآية و آخرها إنّما يقال فيما يكون في آية واحدة. و كذلك ما نحن فيه، لأنّ قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... إلى آخره» آية اخرى سوى قوله:
«إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»، و كذا قوله: «وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ» بلى ما وعده
[١] ج: ألزمه.