المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٦
فإن قيل: لا يحتجّ بتلقّى الامّة هذا الحديث بالقبول على صحّته من حيث أن إجماع الامّة حجّة على ما ظننتم حتى يكون ذلك منا تسلّما للإجماع و استسلافا له، بل من حيث إنّ لأمّتنا هذه عادة مألوفة معهودة في الاعتناء بأمر الدين و الشرع و الاجتهاد في البحث و شدّة التحفّظ فيما يتعلّق بالديانات حتّى أنّهم لم يقبلوا حديثا نقل إليهم و إن تعلّق بفرع من فروع الشرع إلّا بعد البحث الشديد و الفحص التامّ و لم يتسامحوا في قبوله من غير تفتيش على ما هو معروف من حال الصحابة و التابعين و تابعي التابعين و إلى يومنا هذا، و قد أوردوا في ذلك نظائر وصور أو تفاصيل لا نطوّل بإيرادها، فمن يتشدّد و يتحفّظ فيما يتعلّق بفروع الشرع مثل هذا التشدّد كيف يظنّ به أنّه يتسامح فيما يتعلّق بأصل من الاصول تال لحجّة العقل و الكتاب و السنّة المقطوع عليها؟
قلنا: استمرارهم في جميع الاحوال على العادة المدّعاة غير معلوم و لا مسلّم، و الأخبار التي توردونها في بيان ذلك كلّها منقولة من طريق الآحاد، فمن أين ثبوت هذه العادة و استمرارها من جهتهم؟ ثمّ و لو لم ننازع في هذه العادة فانّ غاية ما يقتضيه حسن الظنّ بهم أنّهم على غالب الظن لا يقبلون إلّا ما يصحّ نقله عن الرسول عندهم و أنّهم لا يضعون حديثا من دون سماع تشهّيا و افتراء. فأمّا التجاوز عن هذا الظنّ الحسن بهم إلى ما يقتضي القطع على عصمتهم فممّا لا يقتضيه العادة المدّعاة.
و منها: إذا ساعدناهم على صحّة هذا النقل جملة أن نقول: من الجائز أن يكون الرسول صلّى اللّه عليه و آله قال: «لا تجتمع أمّتي» مجزوما على النهي، أي لا ينبغي أن تجتمع أمّتي على خطأ، فلم يحفظ الناقل الجزم عن الرفع فنقله مرفوعا.
و منها: أنّ الخبر و إن سلّمنا صحّته مفصّلا و أنّه ورد على الرفع دون الجزم، فمن الممكن أن يكون المراد به النهي، كما في قوله عليه السلام: لا يلدغ المؤمن