المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٠
نازعنا غير من استثنيناهم من الطوائف، قرّرنا معهم الأصل الذي أشرنا إليه، من وجوب اللطف، فإن اعترفوا به حقيقة و مذهبا أو سلّموه لنا جدلا، رتّبنا عليه غرضنا، و إلّا فلا نكلّمهم في هذا الأصل الذي هو فرع ما أبوه و أنكروه.
[الاستدلال على وجوب الإمامة بقاعدة اللطف]
و اذا كلّمنا المعترف بوجوب اللطف حقيقة أو المسلّم له جدلا في هذا الأصل، فالوجه فيه أن نقول: الرئاسة لطف، و اللطف واجب، فتجب الرئاسة، فيبتني وجوب الرئاسة على ركنين، هما: كون الرئاسة لطفا، و وجوب اللطف. أمّا وجوب اللطف فمفروغ عنه، في هذا المقام لما سبق من أنّا لا نكلّم في وجوب الرئاسة إلّا من اعترف بوجوب اللطف حقيقة و مذهبا أو سلّمه جدلا، و أمّا الركن الآخر و هو كون الرئاسة لطفا فظاهر أيضا للمنصف، و ذلك لأنّ من المعلوم الذي لا خفاء به و لا يستريب فيه ذو لب، أنّ المكلّفين الذين يجوز منهم وقوع الخطأ من التظالم و التباغي كالقتل و اغتصاب الأموال و الفروج و إثارة الفتن مهما كان لهم رئيس مهيب مطاع، منبسط اليد يكلؤهم بالعين الساهرة، و يأخذ على أيدي الظلمة، و يؤدّب خائنهم، و يقوّم معوجهم، و يطفئ نائرة الفتنة قبل أن يستطير شررها [١] و ينتشر ضررها، كانوا أقرب إلى الصلاح و أبعد من الفساد، بل زائدا على القرب و البعد يكثرون الصلاح و يقلّلون الفساد. و متى فقدوا الرئيس الذي وصفناه و تركوا مهملين سدى، اقتحموا أودية الردى و أكثروا الفساد [٢] و قلّلوا الصلاح، و وقعوا في الهرج و المرج و التباغي و التظالم، و امتدت الأيدي الغالبة الى الأموال و الفروج، و توثّب الطغام على العلماء الكرام، إلى ما لا يحصى كثرة من الفساد، و هذا ممّا اتفق عليه جماهير العلماء، مليّهم و ذمّيّهم، كافرهم و مؤمنهم، حتى لم نجد فرقة من
[١] ج: نستعلوا.
[٢] قوله: «و متى فقدوا ... الى قوله: الفساد» ليس في (ج).