المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١٥
مناظرة من زعم أنّ القول بالتحكيم تقدّم زمان الخوارج، و أنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين و تسمية الذاهبين إليه بالمعتزلة سبق زمان واصل بن عطاء و عمر و بن عبيد، و أنّ مقالة جهم في الجبر الصريح و حدوث العلم للباري تعالى قد كانت قبله إلى غيرها من نظائرها، و في الفرق بين الموضعين دليل على بطلان ما قاله المفتري.
فإن قيل: لو كان النصّ الصريح بالإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام واقعا على ما تدّعونه لعلم ضرورة، كما علم ضرورة أنّ في الدنيا بصرة و بغداد و غيرهما من البلاد.
قلنا: و لو لم يكن القول بالنصّ صحيحا، لعلم نفيه ضرورة، كما علم أنّه ليس بين بغداد و البصرة بلد أكبر منهما، و كما علم أنّه عليه السلام لم ينصّ على مقداد و لا على أنس و لا على أبي هريرة، و في الفرق بين الموضعين دليل على بطلان ما قالوه.
و بعد فغير مسلّم أنّ كلّ ما ينقل متواترة يعلم ضرورة، بل الصحيح أنّ بعضه يعلم اكتسابا كمعجزات الرسول عليه السلام التي هي سوى القرآن، و بعضه يتوقّف في صفة العلم به، فيجوز أن يكون ضروريا و يجوز أن يكون اكتسابيا كمخبر أخبار البلدان و الوقائع، إذا كان كذلك فلا يجب في النصّ أن يعلم ضرورة، و فقد العلم الضروريّ به لا يدلّ على بطلانه، و ليس لأحد أن يقول: كيف تفرّقون بين بعض الأخبار و بين البعض؟ و كيف يصح هذا الفرق؟ و ذلك أنّ من يذهب إلى أنّ العلم بمخبر الأخبار المتواترة ضروريّ يراعي شروطا، نحو كون رواته أكثر من أربعة، و أن يخبروا عمّا يعملونه ضرورة، و أن يكون كلّ فرقة تساويهم في العدد، فانّه يحصل العلم بخبرهم أيضا، و أن تكون الشبهة زائلة عنهم فيما ينقلونه و يروونه، و لا يمتنع أن يكون فيه شرط آخر و هو أن لا يكون المخبر عنه ممّا لا يدعو الداعي إلى سبق اعتقاد نفيه،