المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٨٨
القبيح، سواء كان فيه مضرّة أو لم تكن فيه مضرة. كما أنّه يجب تجنّب القبيح لأنّه قبيح، كان فيه مضرّة أو لم يكن فيه مضرّة [١].
فوافق أبا علي في الحكم الذي هو وجوب هذه التوبة عقلا، و خالفه في علّته و وجهه. إذ عنده أنّه يجب الندم على القبيح لكونه ندما على القبيح، و عند أبي عليّ أنّه إنّما يجب لأنّه لو لم يندم لكان مصرّا.
و الصحيح الذي نذهب نحن [٢] إليه ما ذكرناه من أنّ وجوب التوبة إنّما يعلم بالسمع و الإجماع، و أنّ وجه وجوبها كونها مصلحة و لطفا لنا. فهي من الواجبات الشرعيّة، بلى حسنها. يعلم عقلا، فأمّا وجوبها فلا يعلم بالعقل.
و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه أنّها لو وجبت عقلا لكان لا بدّ من أن يكون لها وجه وجوب يعرف بالعقل، كما في سائر الواجبات العقليّة، من ردّ الوديعة و قضاء الدين و شكر النعمة. فان وجوه وجوب هذه الواجبات تعلم ضرورة، و إن لم يعلم أنّها وجوه الوجوب، و لكنّها في الجملة معلومة للعاقل.
و من المعلوم أنّا لو أعرضنا عن الشرع و القرآن و ما هو معلوم من دين الرسول و الإجماع، لما علمنا بعقولنا وجها في التوبة يقتضي وجوبها.
فأمّا ما يدعوه من كونها مزيلة للعقاب فغير معلوم عقلا، على ما سنبيّنه إن شاء اللّه. و لو كان معلوما بالعقل لكان وجوب التوبة معلوما عقلا. و لكنّه غير معلوم.
و أمّا ما ذكره أبو علي في التوبة من الصغيرة، من أنّ وجه وجوبها هو أنّ بها يخرج صاحب الصغيرة من كونه مصرّا، و التجنّب من الإصرار واجب. فإذا لم يمكن الانفكاك من الإصرار و التجنّب منه إلّا بالتوبة كانت التوبة واجبة.
[١] ليس لدينا كتاب الغرر.
[٢] «نحن» ليس في (ج).