المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١٤
كذب مخصوص منهم متّفق اللفظ و المعنى اتّفاقا و تبخيتا ممّا يحصل بأدنى اعتبار العادة، فلا يتصوّر دخول الشبهة فيه، إذ الشبهة انّما تدخل فيما طريقة الدلالة، و ليس هذا من ذلك القبيل، فالأمر بخلاف ما قدّره السائل، و على أنّه إن لم تكن الطبقات المتوسّطة بيننا و بين النبيّ عليه السلام مثل الطبقة التي تلينا في الكثرة، و كان الأصل فيما نقل إلينا من الخبر واحدا افتعله أو جماعة قليلي العدد، بحيث يجوز عليهم التواطؤ و وقوع الكذب المتّفق اللفظ و المعنى منهم تبخيتا و اتّفاقا، ثمّ انتشر و شاع و استفاض نقله لوجب أن يعلم الوقت الذي احدث فيه، و أنّ المحدث المفتعل له من هو على وجه لا يشتبه الأمر فيه على العقلاء السامعين للأخبار، ألا ترى أنّ القول بالتحكيم لمّا كان في الصفّين علم ذلك، و القول بالمنزلة بين المنزلتين لمّا كان الأصل فيه و اصل بن عطاء و عمرو بن عبيد علم أيضا، و كذلك مذهب أبي الهذيل في تناهي مقدورات اللّه تعالى، و أنّه عالم بعلم هو هو، و كذا قول النظّام من متكلّمي الإسلام بانقسام الجزء، و كذلك مذهب جهم في الجبر و حدوث علمه تعالى، لمّا حدث من جهته علم ذلك، و كذا مذهب ابن كلاب و الأشعري في قدم الصفات لمّا حدث من جهتهما علم ذلك و لم يشكّ فيه أحد و كذلك مذاهب أبي حنيفة و الشافعي و مالك و غيرهم من الفقهاء المشهورين في الفقه، لمّا كان من جهتهم عرف جميع ذلك من سمع الأخبار، و أقرّ به الموافق و المخالف، فلو كان القول بالنصّ الذي ذكرناه من إحداث واحد أو جمع قليل لعرف مثل ذلك و لم يخف على أحد.
فإن قيل: أ ليس قد قال بعض مخالفيكم: إنّ الذي أحدثه انّما هو هشام بن الحكم، و تابعه بعد ذلك ابن الراوندى و أبو عيسى الورّاق؟
قلنا: لو كان الأمر على ما قاله ذلك المفتري، لعلم ذلك ضرورة كما علم نظائره، و لو علم ذلك لما حسن مناظرة من ادّعى اتصاله بالنبيّ كما لا يحسن