المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٧
يَشاءُ» أنّه يغفر من دون التوبة فقد تمّ مقصودنا، و ذلك لأنّ قوله «ما دُونَ ذلِكَ» يشمل الكبائر و الصغائر لعمومه في الكلّ عندكم، و في ذلك غفران الكبائر من دون التوبة [١] و هو الذي نريده و نذهب إليه، و هو بخلاف مذهبكم، و لستم بأن تخصّصوا عموم لفظة «ما» في هذه الآية ليسلم لكم عموم آيات الوعيد أولى منّا إذا خصّصنا عموم آيات الوعيد ليسلم عموم لفظة «ما» في هذه الآية، على أن على قاعدتكم ينبغي أن تشرطوا نفي استحقاق الغفران و ثبوته في المخالفة بين ما نفاه و أثبته من الغفرانين و المباينة بين الأعلى منهما و الأدون، و تقولوا إنّه تعالى نفى غفران الشرك من دون استحقاق و أثبت غفران ما دونه من غير استحقاق على ما ذكرناه و قرّرناه في أوّل كلامنا عليكم في هذه المعارضة، لأنّ الاعتبار إنّما هو بالاستحقاق لا بما هو سببه من توبة أو غيره، ألا ترى أنّ التوبة لو لم تؤثّر في استحقاق الغفران لما وجب اعتبارها و اشتراط نفيها في نفي غفران الشرك، فتحقّق أنّ الاعتبار بالاستحقاق إذا كان الاعتبار به وجب أن يشترط ثبوته و نفيه من الموضعين، لا ثبوت سببه الذي لو لم يؤثّر فيه لما وقع إليه التفات. أمّا قوله تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ»، فانّه لا حجّة لكم فيه، و ذلك لأنّه ليس فيه أنّه لا يكفّر سيّئاتكم إلّا بمجانبة الكبائر، و هذا هو الذي ينفعكم إن ثبت، ثمّ و هو بأن يدلّ على صحّة قولنا أولى من أن يدلّ على صحّة ما تدّعونه من وجهين:
أحدهما: أنّه تعالى قال: «نُكَفِّرْ عَنْكُمْ»، فأضاف التكفير إلى نفسه، و هذا يدلّ على أنّ التكفير يكون من جهته تعالى تفضّلا منه و امتنانا على المذنبين.
و هذا بخلاف ما تقولونه، و يوافق ما نقوله، لأنّ عندكم أن بمجانبة الكبائر تقع الصغائر مكفّرة، و أنّه لا يحتاج إلى أن يكفّره تعالى.
[١] قوله «فقد تمّ ... إلى قوله: دون التوبة» سقط في (ج).