المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٥
حاله بحال من أظهر أنّ في الكوّة حيّة ثمّ يدخل يده فيها فانّه يستدلّ بذلك على أنّه يكذب في قوله أنّه يعتقد أنّ في الكوة حيّة.
فالجواب عنه: إنّه يجوز أن يعتقد الإنسان البعث و النشور و العقاب و يقدم مع ذلك على المعصية تعجيلا للذّة، و تسويفا للتوبة، و رجاء لمغفرة اللّه تعالى، و طمعا فيها، كما يعتقد الإنسان أنّ في الكوة حيّة، و مع ذلك يدخل يده فيها إذا اعتقد أنّ فيها ذهبا كثيرا و أنّه ربما يسلم من الحيّة، أو لأنّه أعدّ ترياقا يدفع ضرر الحيّة.
و احتجاجه أيضا بقوله تعالى: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» [١] غير صحيح، لأنّ هذا القول انّما يدلّ على أنّ المنافق فاسق، و هكذا نقول، و لا يدلّ على أنّ كلّ فاسق منافق.
و أمّا قول الخوارج بأنّ كلّ فاسق يسمّى كافرا فباطل أيضا، لأنّ الكفر هو الجحود و التكذيب بالقلب على ما بيّناه بما أوجب اللّه على المكلّف، و الفاسق الملّيّ غير جاحد لذلك، لأنّه و إن ارتكب المعصية فانّه مقرّ بأنّها معصية، و أنّ الواجب عليه أن ينتهي منها، فلا يكون كافرا.
يبيّن ما ذكرناه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه بعده قد أقاموا الحدود على قوم و لم يسمّوهم كفارا و لم يجروا عليهم أحكام الكفّار من المنع من الصلاة عليهم و من الدفن في مقابر المسلمين إلى غيرهما من الأحكام الجارية في الكفّار.
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّ الكفر في أصل موضوع اللغة هو الستر و التغطية، و على هذا يقال: تكفّر فلان بالسلاح، أي تستر و تغطّى به، ثمّ نقل بالشرع الى من يستحقّ العقاب الدائم، و يجري عليه الأحكام المخصوصة التي تكررت
[١] التوبة: ٦٧.