المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٨
مؤمنا حقيقة في باطنه و ظاهره، لأنّا انّما حملنا المؤمن في الآيتين على مظهر الإيمان لدلالة خارجه عن الظاهر، و إلّا فلو خلينا و الظاهر، لما حملنا المؤمن إلّا على من كان مؤمنا حقيقة عند اللّه.
و منها: أنّ المراد بالمؤمنين لا يخلو من أن يكون جميع من بعث الرسول إليهم مصدّقا كان له أو غير مصدّق، أو يكون المراد به المصدّقين دون غيرهم.
و الأوّل باطل، لأنّه لا يجوز أن يأمرنا اللّه باتّباع سبيل الكفّار الذين لا يصدّقون بالرسول أو باتّباع سبيل قوم يدخلهم الكفّار و غير الكفّار، بل يكون شطرهم لا بل أكثرهم الكفّار. و من وجه آخر و هو أنّه إذا كان المراد بالمؤمنين جميع المبعوث إليهم وجب أن يكون الاعتبار بسبيل أهل جميع الأعصار و بإجماعهم كلّهم، دون إجماع أهل كلّ عصر، على ما يذهبون إليه، و متى حملوا على أهل كلّ عصر كانوا مخصّصين للظاهر و لم يكونوا بذلك التخصيص أولى منّا إذا حملناه على الأئمة المعصومين الذين نقطع على عصمتهم و طهارتهم، و القسم الثاني أيضا يقتضي حمل الظاهر على جميع المصدّقين في جميع الأعصار، فمن أين إنّ إجماع أهل كلّ عصر حجّة؟ و مهما حملوه على مصدّق في كلّ عصر كان ذلك منهم تخصيصا لظاهر العموم، و لم يكونوا بذلك الضرب من التخصيص أولى منّا إذا حملناه على المعصومين على ما سبق.
و منها: أنّ وجوب اتّباع سبيلهم لو ثبت بمقتضى الآية، على ما يزعمون، لكان ذلك متعلّقا بكونهم مؤمنين، فمن أين إنّهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين على قاعدتهم، فلا يجب علينا متابعتهم؟ فهذا الاعتراض متوجّه على مذهبهم و قاعدتهم في جواز خروج المؤمن عن كونه مؤمنا باقتراف كبيرة و ارتكابها. و إذا كان كذلك، فمن أين نعلم كون إجماع أهل كلّ عصر حجّة؟ و هلّا جوّزوا أن يكونوا قد خرجوا عن كونهم مؤمنين بارتكاب كبيرة و إن كانوا مظهرين للشهادتين ملتزمين للشريعة، فلا يجب علينا متابعتهم، و لا يكون إجماعهم حجّة.