المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٤٥
و بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [١] جميع الآكلين لأموالهم ظلما و إنّما يسلم لك العموم في تلك الآيات بعد أن تجيب عن المعارضة بهذه الآية، فكيف سلّمت لنفسك عموم تلك الآيات قبل الجواب عن هذه المعارضة و بنيت الجواب عنها على ذلك التسليم؟ و هل هذا إلّا إيقاف كلّ واحد منهما على صاحبه، على ما ذكرناه في الكلام على صاحب الفائق على أنّه تعالى لو توعّد في هذه الآية على تلك الكبائر على الوجه الذي توعّد عليها في الآيات الاخرى بلفظ إثبات العقوبة في حقّهم، كأن يقول: إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به و يعاقب الفارين من الزحف و الفجّار و آكل أموال اليتامى ظلما، لما كنّا نحكم بأنّه تعالى لا يغفر لواحد منهم، فغير مسلّم أنّه تعالى لو توعّد في هذه الآية على هذه الكبائر بمثل ما توعد عليها في الآيات الاخر، لكنّا نقول: إنّ الذي يغفره هو غير هذه الأفعال التي توعّد عليها، بلى لو قال بلفظ النفي صريحا بأن يقول: و لا يغفر أكل أموال اليتامى، و لا كذا، أو بالعطف على الذي نفاه على ما قدّره الشيخ كأن يقول: إن اللّه لا يغفر أن يشرك به و لا أكل أموال اليتامى ظلما و لا الفجور و لا الفرار من الزحف، لكنّا نحكم بأنّه جلّ و علا لا يغفر هذه الكبائر بغير التوبة، و إنّما فرقنا بين العبارتين لتعارف المعلوم في مثلهما.
ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أنا أضرب من يعصيني من عبيدي، فإنّه لا يفهم من قوله هذا من التعميم ما يفهم من قوله: أنا لا أعفو عمّن يعصيني منهم، و كذا إذا قال: في الدار رجال [٢] أو فيها الرجال بلام التعريف، فانّه لا يفهم من التعميم في الإثبات ما يفهم في النفي كقوله: لا رجل في الدار، أو ليس في الدار رجل، فعلى هذا انّما يمكنه أن يجرى الوعيد بلفظ الإثبات في تلك الآيات مجراه بلفظ النفي إذا بيّن أنّ تلك الآيات المتضمّنة للوعيد عامّة، و انّما يمكنه
[١] النساء: ١٠.
[٢] ج: رجل.