المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٤
إن ندمه «١» على إساءته بعد اعتذاره. و هذا ظاهر لا خفاء به.
و ذكرنا أيضا وجها آخرا ظاهرا: و هو أنّ المسيء المعتذر من إساءته لو ندم على اعتذاره و أظهر ذلك الندم و قال: ما كان ينبغي أن أعتذر إليك ممّا فعلته، لكان يحسن بلا شكّ من المساء إليه ذمّه على إساءته إليه السابقة، و لو كان ذلك الذّم ساقطا بالاعتذار لوجب أن لا يحسن من المساء إليه ذمّه بعد الاعتذار، و إن ندم على الاعتذار، لأنّ ما سقط استحقاقه لا يعود مستحقّا.
فإن قيل: معلوم ضرورة أنّ حال المسيء بعد اعتذاره من إساءته بخلاف حاله قبل الاعتذار فيما يستحقّه من الذمّ، فكيف تقولون إنّه يستحقّ من الذمّ بعد الاعتذار ما كان يستحقّه قبله.
قلنا: لا شك في مخالفة حالتيه، و لكن تلك المخالفة ليست بسبب سقوط استحقاق الذمّ في إحداهما دون الاخرى، و انّما هي بسبب أنّ اعتذاره إلى المساء فهو «٢» سروره و تشفّي صدره، فيكون نعمة منه عليه، فيستحقّ منها في مقابلتها شكرا، كما يستحقّ في مقابلة إساءته ذمّا.
و فرق بين من يستحقّ الذمّ الخالص على الإساءة و بين من يستحق الشكر على نعمته كما يستحقّ الذمّ على إساءته.
و من وجه آخر: تفترق الحالتان، و هو أنّه قبل الاعتذار كان في حكم المصرّ على الإساءة، و كان يستحقّ الذمّ على الإساءة، و يستحقّ ذمّا زائدا بسبب اصراره عليها. و إذا اعتذر خرج عن كونه مصرّا، فيسقط عنه ذمّ الإصرار.
فلهذا تفترق و تختلف حالتاه، لا لما قالوه. فثبت أنّه لا وجه لوجوب سقوط العقاب عند التوبة و بطل ما ادّعوه.