المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٣
إن أخبره عن وقوع ذلك الشيء جزما كان فاعلا لقبيح، و إن فرضنا إنجازه لوعده، لأنّه لا يكون مقدّما على خبر، لا نأمن كونه كذبا، و ذلك قبيح نعلم قبحه ناجزا، و لا يتوقّف العلم بقبحه على حين خلف الوعد، بل نعلم قبحه و إن أنجز وعده كما سبق و إن أخبره عن عزمه على ذلك، و كان عازما عليه، فقد وقع خبره صدقا حسنا، فبان يخلف و يتغيّر عزمه لا يصير خبره ذلك كذبا و لا قبيحا. و ليس كذلك القديم تعالى، لأنّه إنّما يخبر عن وقوع ذلك الذي يعد به، و إنّما يخبر عن وقوع ما يعلم وقوعه. فإذا لم ينجز وعده كشف ذلك على أنّ وعده السابق وقع كذبا قبيحا.
و الذي يدلّ على أنّ التوبة لا تسقط العقاب وجوبا، هو أنّها لو أسقطته وجوبا لكان لا يخلو من أن تسقطه بطريق التحابط، أو من حيث سبق وعده بإسقاط العقاب عندها، أو من حيث إنّها بذل المجهود و إفراغ الوسع في تلافي السالف من المعصية و الرجوع عنها على ما تقولونه.
و قد أبطلنا التحابط، و بينا أنّ سبق وعده تعالى بذلك لا يوجبه، و أشرنا أيضا فيما سبق إلى كونها بذلا للمجهود في الرجوع عن القبيح لا يوجب سقوط المستحقّ على القبيح من الذمّ و العقاب، بأن أوردنا صورة واضحة لا يخفى الأمر فيها على منصف، و هي أنّ من أساء إلى كبير من كبير [١] البلد ذي جاه، كالرئيس أو القاضي، بأن واجهه بسفاهة و الشتيمة و الوقيعة في الأهل و الولد و بأن ضربه و جرّه برجله، كلّ ذلك بين يدي العامّة، و أذهب بهذه الأنواع ماء وجهه بحضرة الملأ من الناس، ثمّ ندم على ذلك و مشى إليه و اعتذر و بالغ في الاعتذار و التضرّع بين يديه، فانّ ما استحقّه من الذمّ على إساءته تلك لا يسقط بما ذكرناه من ندمه و اعتذاره، بل يحسن من ذلك الكبير المساء إليه او من غيره
[١] كذا في نسخة (م)، و الصحيح: كبراء.