المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٨٦
و وجه وجوبها كونها لطفا و مصلحة للتائب في الامتناع من المقبّحات و أداء الواجبات، كما في سائر الواجبات الشرعيّة، ثمّ إذا علمنا سقوط العقاب عندها بالسمع، على الصحيح من المذهب، صارت دافعة لمضرّة العقاب، و إن كان سقوط العقاب عندها تفضّلا ازداد فيها وجه وجوب آخر، و هو كونها دافعة للمضرّة، فيجب من ذلك الوجه أيضا.
فإن قيل: إذا كان التحقيق فيما يجب علينا كونه مصلحة و لطفا لنا، أنّ وجه وجوبه علينا إنّما هو كونه جاريا مجرى دفع الضرر عنّا، من حيث إنّ عنده تمنع ما نستحقّ به العقاب من الإخلال بالواجب و اقتراف القبيح، فكيف يصحّ قولكم إنّ كونها دافعة لمضرّة العقاب يصير وجها زائدا في وجوبها؟.
قلنا: التحقيق في وجه وجوب ما يجب علينا فعله لكونه لطفا لنا، و إن كان ما ذكر في السؤال و ذهبنا إلى أنّ التوبة تجب علينا لكونها لطفا لنا. فما ذكرناه- من أنّه إذا علم سقوط العقاب عندها صار ذلك صحيحا آخر في وجوبها زائدا على كونها لطفا- صحيح، و هو في موضعه. و ذلك لأنّ كونها دافعة للمضرّة باعتبار كونها لطفا إنمّا هو بواسطة أداء الواجبات و اجتناب المقبّحات، و كونها دافعة لمضرّة العقاب بالوجه الثاني ليس فيه واسطة.
و من وجه آخر يظهر التغاير بين الوجهين: و هو أنّ في الوجه الأوّل انّما يدفع العقاب الذي كان يستحقّه في المستقبل لو أخلّ بالواجب أو ارتكب القبيح.
و في الوجه الثاني انّما يدفع عقابا مستحقّا استحقّه بما سبق منه و مضى، فافترق الوجهان.
و عند مخالفينا في الوعيد أنّ وجوب التوبة من المعصية التي ارتكبها المكلّف و علم أو جوّز كونها كبيرة، معلوم عقلا، لكونها دافعة لضرر معلوم أو مظنون، إذ دفع الضرر عن النفس واجب عقلا، معلوما كان الضرر أو مظنونا.