المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٨
بين الأمرين و بعد فانّا علمنا ضرورة من دين النبي عليه السلام أنّ جماعة دخلوا في الإسلام في عهده و آمنوا به و بما جاء به حقيقة بعد أن كانوا كفّارا، فكيف يقال مع ذلك: انّ الكفر يوافي به و ما علمنا مثل ذلك فيمن أظهر الإيمان ثمّ ارتدّ! لأنّا ما علمنا أنّهم كانوا مؤمنين حقّا.
فإن قيل: كيف تنكرون أن يكون للموافاة تأثير في استحقاق الثواب أو دوامه، و قد قلتم بمثل ذلك في الكفر، حيث قطعتم على أنّ ما يوافي به من الكفر يدوم عقابه، و ما لا يوافي به لا يستحقّ عليه العقاب دائما على القطع، على ما نقلته من أصحابك و على ما اخترته و ذكرته من نفسك، يتوقف في دوام استحقاق [١] عقابه؟.
قلنا: نحن لا نقول في الكفر ما توهّم، لأنّ الموافاة عندنا لا تكون وجها و لا شرطا في استحقاق الثواب و لا العقاب، لأنّ وجوه الأفعال و شروطها لا يصحّ أن تكون متأخّرة عن حال حدوثها أصلا و البتة، و عندنا انّ الكفر الذي يوافي به إنّما استحقّ عليه العقاب الدائم، لأنّه وقع في الأصل على الوجه المقتضي لذلك، لا للموافاة به، و من يقطع على انقطاع عقاب ما لا يوافي به من الكفر يقول إنّه لم يقع [٢] حال حدوثه على الأبد المقتضي للدوام، و الموافاة لا تأثير لها في الاستحقاق و لا في دوام المستحقّ، و انّما هي دلالة لنا على دوام المستحقّ، و الدلالة على الشيء لا تجعله على ما هو عليه و إنّما تكشف عن حاله بما ذكرناه من أنّ [٣] وجوه الأفعال و شروطه التي باعتبارها يستحقّ عليها ما يستحقّ لا يجوز أن تكون متأخّرة، يبطل قول أصحاب الموافاة، لأنّهم يجعلون الموافاة شرطا أو وجها في استحقاق الثواب أو دوامه.
[١] ج: استحقاق دوام.
[٢] ج: لم يقدح يقع.
[٣] ليس في (م).