المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٧
دوام عقابه؟.
قلنا: قال أصحابنا: إنّما فصّلنا بينهما بالإجماع، لأنّ دوام العقاب لا نعلمه عقلا و إنّما نعلم سمعا، و الإجماع إنّما انعقد على دوام عقاب ما يوافي به من الكفر فقطعنا على دوام عقابه، و ما لا يوافي به من الكفر فلا إجماع على دوام عقابه و لا على انقطاعه، بل قد دلّ دليل على انقطاعه، و ذلك الدليل هو أنّه لو كان عقابه دائما لاجتمع للمكلّف استحقاق الثواب و العقاب على سبيل الدوام، و الإجماع يمنع من ذلك على ما بيّناه، و الوجه الآخر الذي ذكرناه من قبل يبطله أيضا، و هو أن يتلو العقاب الثواب.
و أنا أقول: إنّما كان يلزم اجتماع استحقاق الثواب و العقاب على سبيل الدوام، و أن يتلو العقاب الثواب أن لو ثبت، و استقرّ [١] استحقاق عقاب على الكفر الذي لا يوافي به. فأمّا و من المعلوم بالإجماع أنّ الكافر إذا آمن سقط عقاب كفره على أيّ وجه كان، فانّه لا يلزم شيء من ذلك، فالواجب التوقّف و الشكّ في دوام عقاب ما لا يوافي به من الكفر، و أن لا يقطع على انقطاعه كما لا نقطع على دوامه.
فإن قيل: ما الفرق بينكم إذا ادّعيتم أنّ الإيمان لا بدّ أن يوافي به، و بين من يدّعي تقديرا مثل ذلك من الكفر؟.
قلنا: الدليل فرّق بيننا، لأنّ الذي لأجله أوجبنا الموافاة بالإيمان لم يحصل في الكفر، و لو أجمعت الأمّة على أنّ كلّ كافر يستحقّ بكفره العقاب دائما و أنّ عقابه لا يسقط، كما أجمعت على أنّ كلّ مؤمن حقيقة يستحقّ الثواب الدائم على ما بيّناه، و علمنا بدليل آخر على ما بيناه أيضا أنّ ثوابه لا يسقط [٢] لسوّينا
[١] م: استقرار.
[٢] عبارة «كما أجمعت ... إلى قوله: لا يسقط» سقط في نسخة (ج).