المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٤
الدائم و العقاب الدائم في حالة واحدة باطل بالإجماع، و من وجه آخر، و هو أنّ العقاب إذا كان دائما و قطعنا على أنّه لا يسقط و لا يعفو اللّه عنه بالإجماع أيضا و ثواب الايمان دائم أيضا بما بيّناه، فلا بدّ إذا فعل بالمكلّف الأمران من أن يتلو الثواب العقاب و العقاب الثواب، و أجمعت الأمّة على أنّ الثواب في الآخرة لا يتعقّبه و لا يتلوه عقاب.
فهذا البيان أنّه لا يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه كفرا يوافي به.
فأمّا الذي يدلّ على أنه لا يجوز أن يكفر كفرا لا يوافي به فهو أنّه لو جاز أن يقع من المؤمن الكفر، و قد استحقّ بإيمانه المتقدّم الثواب و المدح و التعظيم، لكان لا محالة يستحقّ بكفره اللعن و الاستخفاف و الذمّ فكان يلزم أن نجوّز أن يكون من الكفّار الذين نلعنهم و نتبرأ منهم و يستخفّ بهم من يستحقّ غاية المدح و التعظيم و التبجيل بإيمانه السابق. و الاجماع بخلاف ذلك، إذ لا أحد من الأمّة إلّا و هو قاطع على أن الكافر باللّه و برسله لا يستحق شيئا من التعظيم و الثواب، و نعلم ذلك من دين الرسول ضرورة، و هذه الطريقة تدلّ على أنّ المؤمن لا يكفر أصلا و البتة، سواء كان كفرا يوافي به او كفرا لا يوافي به، و الدلالة الاولى انّما تدلّ على أنّه لا يكفر كفرا يوافي به فقط.
فإن قيل: ليس كلّ من أظهر الإيمان يكون مؤمنا عند اللّه و على الحقيقة، حتّى إذا وقع منه الكفر بعد ذلك حكمنا بأنّه يستحقّ الثواب و التعظيم.
قلنا: نحن لم نبن كلامنا في هذه الطريقة على تعيين من يعلم ذلك من حاله، و إنّما بيّناه على أنّ تجويز الكفر بعد الإيمان لا بدّ من أن يؤدّي إلى ما ذكرناه، إذ كما نجوّز في من أظهر الايمان ثمّ أظهر الكفر أن يكون منافقا كذلك نجوّز أن يكون صادقا. فلا نأمن أن يكون بعض الكفّار و المرتدّين أو أكثرهم بهذه الصفة، و الإجماع ينافي ذلك و يبطله.
فإن قيل: مثل هذا يلزمكم فيمن آمن بعد كفره إذ نفيتم الإحباط.