المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧١
مثال ما ذكرناه أنّ أحدنا لو ضمن لغيره على فعل يفعله على بعض الوجوه اجرة و عوضا، لكان متى فعله ذلك الغير على خلاف الوجه الذي حدّه له لا يستحقّ عليه أجرا و لا عوضا، و جاز أن يقول له ذلك الذي ما ضمن و غيره:
قد أبطلت عملك و أحبطته و حرمته نفسك الذي كنت تستحقّه على هذا الفعل لو أوقعته على الوجه الذي أردته منك.
هذا تأويل سائر الآي المتضمّنة لذكر الإبطال و الإحباط، لأنّ المتصدّق لو قصد بصدقه طاعة اللّه دون الامتنان، لاستحقّ بها الثواب، فإذا تصدّق للامتنان لم يستحقّ ثوابا، بها، فوصفت صدقته بالبطلان من حيث خرجت عن استحقاق الثواب بها وضاع تكلّفه لها، لا أنّه استحقّ ثوابا [١] بالصدقة أبطله المنّ.
و كذلك من رفع صوته فوق صوت النبيّ موهما بذلك علوّ درجته لو رفع صوته لإجابته أو لمسألته على سبيل الاستفادة منه لاستحقّ به جزيل الثواب.
فلمّا رجع رفع الصوت على الوجه الأوّل كان محبطا لفعله.
و كذلك من اشرك و عبد إلهين، لو وجّه عبادته إلى الواحد القديم و أفرده بها لاستحقّ الثواب. فلمّا وجّهها إلى اثنين بطلت من حيث حرم الثواب عليها.
و هذا هو تأويل الآية الأخرى.
فأمّا قوله: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» فانّ فيه أيضا تعليق الإذهاب بالعمل الذي هو الحسنة، و ليس هذا مذهب القوم على ما تقدم، ثمّ و السيّئة الواقعة التي وقعت و انعدمت كيف يمكن إذهابه؟ فلا بدّ لهم من العدول عن الظاهر و تقدير محذوف في الكلام.
فأمّا على مذهبنا فلا يحتاج الى تقدير محذوف، لأنّ معنى قوله تعالى: «إِنَ
[١] عبارة «بها فوصفت ... إلى قوله: ثوابا» ليست في (ج).