المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٨
يسير المدح في هذا الضرب بكثير الذمّ و لا يسير الذمّ بكثير المدح بطل قولهم.
ثمّ يقال لهم: إذا جاز لكم أن تعتمدوا في استدلالكم على موضع لا فرق بينه و بين غيره عندكم، لأنّ عندكم أنّ التحابط كما يقع بين كثير المدح و قليل الذمّ و بين كثير الذمّ و قليل المدح و الشكر، كذلك يقع بين المتساويين من الشكر و الذمّ و المدح و الذمّ.
و إذا كان كذلك و جاز لكم أن تعتمدوا على الصورة التي صوّرتموها مع أن لا فرق بينهما و بين غيرها و تجعلونها الأصل لظهور الأمر فيها و تحملون غيرها عليها، جاز لنا مثل ذلك بأن نقول: قد علمنا أنّ أحدنا لو أنعم عليه غيره نعمة و أساء إليه اساءة لا يظهر زيادة إحداهما على الاخرى، كأن خلّص له ضيعته من غاصب و أهلك غلاما له، يحسن منه شكره و مدحه على نعمته و ذمّه على إساءته.
ألا ترى أنّه يحسن من هذا الذي فرضناه أن يعاتبه بحضرة الناس على إهلاك غلامه على سبيل التبكيت له و التهجين و يعترف له بتخليص ضيعته من الغصب و يشكره و يمدحه عليه حتى يقول له: قد أحسنت إليّ في تخليص الضيعة و أنا شاكر لذلك منك و معتدّ به، فأحسن اللّه جزاءك عنّي، غير أنّك قد أسأت إلي في استهلاك الغلام، و اللّه يكافئك على ذلك، و لو لم تستهلكه لكان إحسانك خالصا و شكري لك صافيا.
و هذا أمر يعلم حسنه ضرورة. و كذا كثرة استعمال الناس لمثله و تناولهم لفعله معلوم ضرورة فمن دفع حسنه كان كمن دفع حسن شكره على النعمة المفردة و ذمّه على الاساءة المفردة.
و ليس لهم أن يقولوا: القدر الذي ذكرتموه لا يدلّ على ثبوت استحقاق المدح و الذمّ، و ذلك لأنّا ما اعتمدنا على حسن ذكر النعمة و الإساءة و إخباره عنهما فقط، بل على أنّه يعترف بهما على سبيل الشكر و الذمّ، إذ لا شيء و لا وجه يوقع عليه الشكر على النعمة و الاعتراف بها إذا انفردت من القصد إلى