المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٦
من العوض و الجزاء معيّن معلوم، و كذلك على كلّ إساءة لكنّا نعلم أنّه إذا استوفى ما استحقّه في مقابلة نعمة بتمامه، فانّه يحسن من المنعم عليه أن يطالبه الجزاء على الاساءة و إن صغرت و لا يقبح منه تلك المطالبة، فعلمنا أنّ قبح الذمّ على الإساءة الصغيرة لمن له إحسان عظيم إنّما هو للوجه الذي ذكرناه.
يوضّح ما ذكرناه أنّ أحدنا لو كان له على غيره ألف قنطار من الذهب دينا في ذمّته، و لذلك الغير عليه مكوك حنطة أو شعير، فانه لا يحسن من ذلك الغير، متى لم يؤدّ إليه حقّه، أن يطالبه بذلك المكوك، و لو وفّى حقّه لحسن منه المطالبة بالمكوك، و لا [١] يدلّ قبح مطالبته بذلك على سقوطه، و إنّما فرض المكوك من الحنطة و الشعير و لم يفرض أن يكون له عليه دينار، لأنّا لو فرضنا ذلك لأمكن أن يقال: إنّما لم يحسن منه المطالبة بذلك الدينار، لأنّه سقط بالمقاصّة، فيبقى لصاحب الدين عليه ما كان له عليه إلّا دينار. و اذا فرضنا الحنطة أو الشعير أو شيئا آخر من غير الجنس الذي له عليه لم يمكن أن يقال فيه ذلك، لأنّ المقاصّة بين الجنسين المختلفين يحتاج إلى مراضاة.
فإن قالوا: يحسن منه المطالبة بالمكوك من الشعير و إن لم يوفّر عليه حقّه، لأنّه يكون مطالبا بحقّه، و من طالب بحقه لا يلام.
قلنا: إذا سهل عليكم ارتكاب ذلك مع قبحه، سهل علينا ارتكاب حسن ذمّ المسيء بالاساءة اليسيرة و إن كان له النعم العظيمة و الأيادي الكثيرة، و نعتلّ بمثل ما ذكرتموه من المطالبة بالحقّ، إذ ليس بعد أحدهما في معقول إلّا كبعد الآخر.
يوضّح ما ذكرناه و يبيّنه أنّا إذا فرضنا الكلام فيما لا يكون من الحقوق المختصّة ببعض المستحقّين، ظهر قولنا و بانت صحّته، لأنّا نعلم أنّ من كان على
[١] م: و لم.