المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٨
و الصواب العدول عن هذا النوع إلى ما هو أسهل و أقرب إلى الحقّ، و هو القول بأنّ اللّه تعالى يصرفه عن الفكر في شيء من ذلك حتّى لا يلحقه همّ به و لا تنغّص. و علمه بأنّ الحكمة اقتضت فعل ذلك بولده و أعزّته لا يمنع من اهتمامه به، لأنّ الغمّ قد يحصل فيما يعلم مستحقا و غير مستحقّ ألا ترى أنّ من يريد الإمام قطعه في السرقة يغتمّ بذلك و إن استحقّ القطع. و كذا القول فيمن يريد جلده في القذف، أو جلده أو رجمه في الزنا و إن علم أنّه يستحقّ ذلك. على أنّهم إن قنعوا بذلك فليقنعوا بمثله إذا قيل لهم أيضا: المثاب و إن علم انقطاع ثوابه إلى عقاب، فانّ ذلك لا يغمّه لأنّه يعلم أنّ الحكمة تقتضي ذلك و أنه مستحقّ له.
ثمّ نقول لهم: هذا الذي ذكرتموه في أهل الجنة- من أنّ اللّه تعالى يغلّظ قلوبهم على أهل النار من حيث كانوا أعدائه تعالى و مستحقّين لمقته و عقابه- لا يمكنكم أن تقولوا فيمن علم من أهل النار بنعيم أولاده و أعزّته و حصولهم في نهاية اللذّات، و علم أيضا [١] حصول أعدائه في نهاية العذاب في النار، إذ من العناد الشنيع القول بأنّ اللّه تعالى يغلّظ قلوب أهل النار على أعزّتهم الذين هم في الجنّة حتّى يغمّهم ما يصل إلى أعزّتهم من الملاذ و المنافع، و أنّه يحبّب إليهم أعداءهم الذين هم معهم في النار و يرقّق قلوبهم عليهم حتّى يغتموا بما ينزل بهم من العذاب و الآلام. فتأثير ما ذكرناه لا يمكن دفعه، لأنّه أظهر و أوضح من أن يخفى، فانّ من المعلوم، ضرورة أنّ كثيرا من الناس يسهل عليهم ما يكونون فيه من غاية المكروه بأن يعلموا سلامة أولادهم و أعزّتهم منها و حصولهم من المنافع و اللذّات على خلافها، و يخفّ عليهم كثير من المضارّ إذا علموا حلول مثلها بأعدائهم. و قد بينّا أنّ يسير الضرر و النفع في باب الشوب ككثيره. فلا بدّ على
[١] «أيضا» ليس في (م).