المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٦
و يجرون عندهم مجرى نفوسهم أو قريب منها العقاب الدائم، و الزمتم أن يتنغص عيشهم بذلك، لأنّ جميع ذلك يوجب التنغيص الشديد و التكدير العظيم.
و كذلك إذا الزمتم مثل هذا في أهل النار و اوجب عليكم أن يكونوا في بعض الراحة إذ عاينوا دركة من هو أسفل دركة منهم و عقاب من هو أشدّ عقابا منهم، أو تذكروا ما صار باطلا مكفّرا بما فعلوه من الطاعات، أو علموا حصول أعزّتهم من الأولاد و الأزواج و الأقارب في الجنّة، أو حصول أعدائهم الذين كانوا يسرّون بوقوع المكروه بهم في العذاب الأليم، لأنّ جميع ذلك يوجب الراحة. و لا يمكنكم التفصي من جميع ذلك بل تقولوا [١] النفع و السرور فيما ذكرناه من علم أهل النار بانقطاع عقابهم إلى ثواب أكثر منهما فيما ذكرتموه، و الضرر و الغمّ فيما ذكرناه من علم أهل الجنّة بانقطاع ثوابهم إلى عقاب أكثر منهما فيما ذكرتموه، لأنّ الثواب كما يجب خلوصه من كثير الشوب كذلك يجب خلوصه من قليله، و العقاب كمثل.
فإن قالوا: لا يحتاج إلى مثل ما ذكرتموه في الجواب عن هذه الإلزامات، و ذلك لأنّه لا تأثير لشيء ممّا عددتموه من حيث أنّ المثاب إذا كان قد وصل إلى جميع ما يحتاج إليه من الملاذّ و لم يفته شيء منه لم يلتفت إلى من هو أعلى منزلة منه و لا يتنغص عليه ما هو فيه من أجل ذلك. و كذا القول فيما فاته من الثواب بالإحباط، لأنّه قد وصل من النفع إلى ما يحتاج إليه، فلا تأثير لما فاته في نفسه و حصول أعزّته في النار فانّه لا يغتم به، بل ربما ازداد سرورا به، لأنّ اللّه تعالى يغلّظ قلبه على مستحقّي العقاب و يجعله بحيث يسرّه ما يصل إليهم من المكاره و الآلام كما يسرّ أحدنا بوصول الضرر إلى عدّوه، و كيف ينغّص عليه مثل ذلك و هو يعلم أنّ الحكمة تقتضيه كما اقتضت فعل الثواب بمستحقّيه.
[١] ج: بأن يقولوا.