المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٥
و كيف يمكن إنكار ما ذكرناه و استبعاده، مع أنّا نرى كثيرا من أهل الدنيا العاكفين على لذّاتها لا يخطر ببالهم الموت و انقطاع اللذات الدنياويّة جملة، و لهذا نجد هؤلاء أرغد عيشا من غيرهم، حتى أنّ فيهم من لا يعرف الغمّ مع كمال عقله، و فيهم من يفكّر في الموت و انقطاع لذّاته به فكرا دائما فهو كثير الهموم متكدّر العيش، و فيهم من يكون ذاكرا لانقطاع ما هو فيه من اللذّات و زواله و يخطر ذلك بباله كثيرا، و مع ذلك فانّه لا يهتمّ و لا يؤثّر ذلك في شيء من تنعّمه و تلذّذه؟.
فعلى هذا لو قلنا: إنّ أهل الثواب و إن علموا انقطاع ثوابهم فلا تنغيص [١] لهم في ذلك و لا شوب يعتدّ به، لأنّ ما هم فيه من ضروب الملاذّ و صنوف المنافع المستغرقة لأحوالهم أخرجهم من الاعتداد بذلك القدر من الشوب، و أنّ أهل النار و إن علموا انقطاع عقابهم، فلا روح لهم في ذلك معتدّ به، لأنّ ما هم فيه من صنوف الآلام و ضروب المكاره المستغرقة لأبدانهم و قواهم أخرجهم عن الاعتداد بذلك القدر اليسير و جرى ذلك مجرى قولهم: «إنّ حصول العلم الضروريّ باللّه في الآخرة و سقوط كلفة النظر في اكتساب المعارف إنّما يكون راحة معتدّا بها لأهل الجنّة دون أهل النار، من حيث كان أهل النار من الآلام و المضارّ فيما لا يعتدّون معه بزوال هذا القدر من المشقّة، و أهل الجنّة بخلاف ذلك» لكان ذلك غير بعيد.
ثمّ نقول لهم: لا بدّ لكم من القول بمثل ما قلناه في هذا الموضع إذا سألتم عن علم أهل الجنّة بزيادة درجات بعضهم على بعض، و بما فاتهم من الثواب و المنافع التي أحبطها عقاب معاصيهم، و عن علم كثير منهم بحصول أعزتهم من الأولاد و الآباء و الامّهات و الأقارب و الأزواج الذين يتألّمون بما يلحقهم من الضرر
[١] ج: تنغّص.