المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٣
بلى، السمع دالّ من الإجماع و غيره على خلوص الثواب و العقاب من الشوائب، و أنّ الثواب لا يمتزج بالعقاب، و كذا العقاب لا يمتزج بالثواب، و أنّ الثواب لا يتعقّبه عقاب.
فأمّا العقاب فلا دلالة على أنّه لا يتلوه ثواب إلّا في الكفّار، فانّ الإجماع منعقد على أنّ عقابهم لا يتلوه ثواب.
فأمّا فسّاق أهل الصلاة، فلا دلالة على أنّ عقابهم لا يتلوه ثواب، بل قد دلّت الدلالة على نقيضه، و هو أنّ عقابهم يتلوه ثواب، لأنّهم إذا استحقّوا باكتساب معارف التوحيد و العدل و غيرهما من الطاعات الثواب، و قد بطل الإحباط بما دلّلنا عليه، فلا بدّ من أن يتلو عقابهم ثواب تلك الطاعات فأمّا دوام الثواب و العقاب فغير معلوم عقلا على ما بيّناه، و لكنّ دوام الثواب معلوم بالإجماع. و كذا دوام عقاب الكفّار.
فأمّا غير الكفّار ممّن اجتمع له استحقاق الثواب و العقاب جميعا فأنّ عقابه غير دائم عندنا لحصول الإجماع على أنّ الثواب في الآخرة لا يتعقّبه عقاب.
فلو كان ما يستحقّه الفاسق من العقاب دائما مع [١] استحقاقه الثواب بطاعاته من المعارف و غيرها- و قد بطل [٢]- لوجب إذا أراد اللّه أن يعاقبه و لم يشأ العفو عنه أن يتلو ثوابه العقاب لا محالة، لأن فعلهما إذا كانا دائمين لا يمكن إلّا بأن يفعل الثواب تارة و العقاب اخرى.
فعلى هذا إذا راعينا السمع و اعتبرنا أدلته فانّما يتلو الثواب العقاب و لا يتعقّب العقاب الثواب، و إن لم نراع السمع و أدلّته و تكلّمنا في التجويز العقلي، فانّه يجوز أن يتلو كلّ واحد منهما الآخر.
[١] ج: و انّما وقع.
[٢] ج: إذ قد بطل الإحباط، و في م: إذ قد بطل (نسخة).