المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٨
قلنا: هذا لا ينفعكم، لأنّهما و إن تعلّقا بفاعل واحد، فانّه لا بدّ أن يكونا متعلّقين به على وجهين و تعلّق المتعلّقين بالذات الواحدة على وجهين كتعلّقهما بذاتين في إبطال التنافي بينهما.
ثمّ نقول لهم: أ ليس تخلو دعواكم أنّه يستحيل المدح و الذمّ و التعظيم و الاستخفاف في الحالة الواحدة بالشروط التي اعتبرتموها من أن تكون تلك الاستحالة لأمر يرجع إلى المادح الذامّ و إلى الممدوح المذموم المعظّم المستخفّ به؟.
فان كان الثاني، وجب أن يستحيل ذلك من فاعلين أيضا، لأنّ ما يستحيل لأمر يرجع إلى المفعول به لا تتغيّر استحالته، بأن يكون من فاعل واحد أو من فاعلين كاستحالة كون المحلّ الواحد متحركا ساكنا في حالة واحدة.
فانّه لمّا كان تلك الاستحالة لما يعود إلى المحلّ استحال ذلك من فاعلين، كما استحال من فاعل واحد، و قد اتفقوا معنا على أنّ المدح و الذمّ و التعظيم و الاستخفاف لا يستحيلان من فاعلين [١]، و لهذا شرطوا كون الفاعل واحدا.
و إن كان الأوّل، و هو أنّ الاستحالة لأمر يرجع إلى المادح المعظّم الذامّ المستخفّ، فقد بيّنا أنّه لا استحالة فيما يكون بالقلب من ذلك، و كذا لا استحالة فيما يكون باللسان من ذلك لفقد الأدلّة [٢]. يزيده بيانا أنّ المدح و الذمّ باللسان لا يتضادان، بل ربما كانا من جنس واحد و كذلك ما يرجع منهما الى القلب لا يتضادان، لأنّ الاعتراف بالنعمة و العزم و توطين النفس على أداء شكرها لا يضادّه توهين النفس على الذمّ على الاساءة و الاعتداد بها على المسيء، و في الجملة ما يرجع إلى القصود و الاعتقادات من ذلك لا يصحّ أن يدّعى تضادّه، كيف يتضادّ مع تغاير المتعلّق و إذا لم يكن بين المدح و الذمّ
[١] م: فاعله.
[٢] م: إلّا لفقد الآلة.