المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٥
اليسير من المال اللذين استحقّهما عليه. و إنّما فرضنا الاستحقاق في الإطعام و إعطاء المال ليصحّ كون الامتناع منهما إساءة.
إذا تقرّر هذا، فلو كان الزنا في باب المعصية أعظم من التوحيد في باب الطاعة حتى يحبط عقابه ثواب معارف التوحيد لكان الكفّ و الامتناع منه في باب الطاعة أعظم من الإخلال بمعارف التوحيد في باب المعصية، و كان [١] يجب فيمن لا يزني و يخلّ معارف التوحيد أن يكفّر ثواب اجتنابه من الزنا عقاب إخلاله بمعارف التوحيد، و هذا باطل معلوم خلافه بالاتفاق.
و قد تمسّك القائلون بالتحابط بوجوه:
منها: أن قالوا: إنّ الثواب يستحقّ على طريق التعظيم و التبجيل، و العقاب يستحقّ على طريق الاستخفاف و الإهانة. و بما ذكرنا يبيّن الثواب و العقاب من غيرهما، و التعظيم و الاستخفاف يتنافيان. و بيان ما نعلمه من استحالة تعظيم أحدنا غيره و استخفافه به في الوقت الواحد إذا جمع شروطا ثلاثة: و هي أن يكون الذامّ و المادح واحدا، و المذموم و الممدوح واحدا، و الوقت واحدا. و إن استحال و تعذّر فعلهما استحال استحقاقهما.
قالوا: و هذا هو ثبوت ما يجري مجرى التضادّ و التنافي بين الثواب و العقاب الذي تطلبونه حتّى يتمّ و يصحّ إبطال أحدهما الآخر.
و الكلام عليهم في هذا الوجه أن يقال لهم: إنّكم ما زدتم فيما ذكرتموه على محض الدعوى و الحوالة على النفس بما الموجود و المعلوم [٢] منها خلافه. فلم زعمتم أنّ ما ذكرتموه مستحيل متعذّر، و ليس يخلو ما حكمتم باستحالة اجتماعه من المدح و الذمّ و التعظيم و الاستخفاف من أن تريدوا به ما يكون باللسان من ذلك أو ما يكون في القلب.
[١] م: فكان.
[٢] م: الموجود المعلوم.