المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٦٢
على رضاه، و انّما نقطع على رضاه اذا علمنا أنه لا وجه لكفه عن النكير الّا الرضا، و لهذا قطعنا على رضا عمرو أبي عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة ببيعة أبي بكر.
ثمّ يقال لمخالفينا من المعتزلة على قولهم بأنّ إمساك أمير المؤمنين عن النكير يدلّ على رضاه، أن يقولوا بإمامة معاوية، لأنّ الامّة بعد المهادنة التي جرت بين الحسن عليه السلام و بينه كان بعضهم راضيا بإمامته، و بعضهم عادلا عن النكير ممسكا عنه، و كانوا مجمعين على الكفّ عن النكير عليه، حتى سمّى تلك السنة عام الجماعة.
فإن قالوا: إنّ بعضهم كان منكرا عليه في الباطن، فلم يظهروا الإنكار خوفا و تقيّة، قيل لهم مثله في من تقدّم بلا فصل بين الموضعين، و قد عارض أصحابنا جميع المخالفين في الإمامة و المعتزلة و غيرهم بإجماع الناس على ما جرى على عثمان من خلعه و قتله، فانّ الناس في ذلك كانوا بين خاذل و قاتل و كافّ عن النكير، و هذه أمارة الرضا عندهم، فأيّ شيء دفعوا به انعقاد هذا الإجماع يمكن بمثله دفع الإجماع الذي ادّعوه.
فإن قيل: أ لستم تقولون: إنّ الرئاسة لطف، و أنّها تجب لكونها لطفا، فكيف تجمعون بين القول بوجوب الرئاسة لكونها لطفا و بين القول بكون أمير المؤمنين إماما، و تنصيص اللّه تعالى عليه بالإمامة التي هي الرئاسة المخصوصة الموصوفة؟ مع علمنا بأنّه لمّا انتهض للإمامة نكثت جماعة و قسطت فرقة و مرقت اخرى، و لو لا انتهاضه للإمامة لما وقع البغي و الفتنة من هؤلاء الفرق، و مع ذهابكم إلى أنّ الذين دفعوه عن مقامه في الأوّل و استبدّوا بالأمر دونه كانوا بذلك عصاة غاصبين حقّه، ظالمين له، و لو لا تنصيصه تعالى عليه بالإمامة لما كان الذي كانوا فيه و مشتغلين [١] غصبا و ظلما، فلم يكونوا ظالمين
[١] م: و ستغلين به.