المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٤٠
أولى، و أنّه لو أفاد «أولى» لما دلّ على الإمامة، و أنّه لا يجب لأجل المقدّمة حمل «مولى» على «أولى»، لأنّ من الجائز أن يكون النبيّ انّما قرّر بالمقدّمة فرض طاعته عليهم، ثمّ لمّا قرّر ذلك قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه» أي فأنا الزمكم أن تحبّوا عليّا و تنصروه، و لو صرّح بما ذكرناه بعد المقدّمة لكان كلاما صحيحا متعلّقا بعضه ببعض و أمّا تشبيههم ذلك بقول القائل: أ تعرف عبدي زيدا؟ اشهدك أنّ عبدي حرّ، فليس بكلام مستعمل، و إنّما المستعمل هو أن يقول: اشهدك أنّه حرّ، و على أنّا إنّما نقول: بأنّ قوله: اشهدك أنّ عبدي حرّ يجب أن ينصرف إلى زيد المذكور في أوّل الكلام، لأنّه إنّما ذكره ليعرّف الشهود من يريد أن يشهدوا له بالحرّية، فلو لم ينصرف الكلام الثاني إليه لبطل فائدة قوله: أ تعرف عبدي زيدا، و ليس كذلك الخبر، لأن قوله: «فمن كنت مولاه» لو لم يرد به الأوّل لم يخرج المقدّمة من أن تكون فيها فائدة و هي تقرير فرض الطاعة، فليسوا بأن يحملوا قوله: «فمن كنت مولاه» على المقدّمة أولى منّا إذا حملناها على المؤخّرة و هي قوله عليه السلام: «اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله» و هذا يدلّ على أنّه أراد بقوله:
«فعليّ مولاه» النصرة و الموالاة التي هي ضدّ العداوة، لأنّ من أتى بكلام مشترك بين أشياء ثمّ حثّ على بعض تلك الأشياء فانّه قد عنى بكلامه الأوّل ما حثّ عليه، ألا ترى أنّ الإنسان إذا قال لغيره: صلّ عند الشفق كان هذا الكلام مشتركا بين الأحمر و الأبيض، فإذا قال عقيب ذلك: اللّهم ارحم من يصلّي عند الشفق الأحمر علم أنّه أراد بقوله عند الشفق: الشفق الأحمر، فكذلك قوله: اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه يدلّ على انّه أراد بقوله: فعلي مولاه النصرة و المحبّة، و خصّه بذلك تفخيما لشأنه كما خصّ اللّه جبرئيل و ميكائيل تفخيما لشأنهما في قوله: «مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ