المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠٥
تعالى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» لأنّ حمله على الاستغراق يقتضي أن يكون المؤمنون الذين خوطبوا بقوله: «وَلِيُّكُمُ» داخلين تحته، و هذا يكون قولا بأنّ كلّ واحد منهم وليّ نفسه، و إذا وجب تخصيص «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» صار مجازا عند من قال بالعموم منهم، فيصير معهم مجازان اثنان، و متى قلنا: إنّ لفظ «الَّذِينَ آمَنُوا» حقيقة في الواحد لا يبقى معنا مجاز، لأنّا سنبيّن أنّ الذي ذكره ثانيا ليس مجازا، و إن سلّمنا لهم أنّ لفظ «الَّذِينَ آمَنُوا» في الواحد مجاز كان معنا مجاز واحد، فصار حملنا الآية على ما حملناها عليه أولى.
و ليس لأحد أن يقول: لا بدّ لكم أيضا من أن تقولوا: إنّ المؤمنين الذين خوطبوا بقوله «وَلِيُّكُمُ» غير داخلين تحت قوله «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» على ما ألزمتم مخالفيكم، فيكونون مخصّصين لقوله: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا»، فكيف تقولون: لا يبقى معنا مجاز أصلا؟ أو يكون مجاز واحد على اختلاف حمليكم؟ و ذلك لأن العموم ليس له صيغة مختصّة به عندنا، فحملنا قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» على بعضهم لا يقتضي كونه مجازا و أمّا الذي ذكره السائل ثانيا من قوله: إنّ لفظة «يُقِيمُونَ» و «يُؤْتُونَ» تفيد الاستقبال فغير مسلّم أنّها مختصّة بالاستقبال، لأنّ كلّ ما كان في أوّله إحدى الزوائد الأربع، فانّه مشترك بين الحال و الاستقبال، بل بالحال أليق عند النحويين، و انّما يختصّ بالاستقبال بدخول السين أو سوف فيه، و إذا كان كذلك فحمله على الحال لا يكون مجازا، ثمّ نقول على مذهب من قال: إنّ اللّه تعالى أحدث القرآن في اللوح المحفوظ أوّلا ثمّ أنزله على النبيّ عليه السلام: لو سلّم أنّه للاستقبال كان أيضا حقيقة لأنّ [١] الأفعال التي هي إقامة الصلاة و ايتاء الزكاة في حال الركوع لم يكن وقعت في تلك الحال، أعني حالة إحداث القرآن في اللوح المحفوظ.
[١] م: حقيقة له أنّ.