المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٧
ذلك لأنّ علمه تعالى بأنّهم لا يختارون إلّا المعصوم لا يكفي في حسن هذا التكليف، لأنّه إذا لم يكن لهم طريق يفرّقون به بين المعصوم و غيره فتكليفهم اختيار معصوم يقبح و يلتحق بتكليف ما لا يطاق في القبح، إذ العقل لا يفرق بين تكليف ما لا يقدر عليه المكلّف و لا يستطيعه، و بين تكليف ما لا يعلمه المكلّف و لا طريق له إلى العلم به في القبح، و ألزموا من أجاز ذلك تجويز أن يكلّف اللّه تعالى العبد أن يختار من الشرائع ما يشاء و أن يخبر عمّا كان و يكون من الغائبات إذا علم أنّه يتفق منه الإصابة في جميع ذلك، و ان لم نجعل له طريقا يفرّق بين الصواب أو الخطأ و الصدق و الكذب فيما كلّفه، و فساد ذلك معلوم، لأنّا نعلم ضرورة قبح تكليف أحدنا لغيره أن يخبر عمّا غاب عنه بالصدق من دون أن يعلمه ضرورة أو يكون له إليه طريق أو عليه أمارة و إن غلب في ظنه أنّه يتفق منه الصدق في جميع ذلك، هذا هو الذي كان يجيب به أصحابنا عن هذا السؤال غير أنّ السيّد قدّس اللّه روحه التزم ذلك و أجازه في بعض الائمّة دون جميعهم، بعد أن يعلمهم [١] اللّه تعالى على لسان نبيّ متقدّم أنّهم يصيبون في ذلك، و كذلك أجاز مثل ذلك في تكليفهم اختيار قليل الشرائع دون كثيرها، و انّما فرّق بين القليل و الكثير في ذلك و بين بعض الأئمة و بين جميعهم لما يرجع إلى العادة، من حيث إنّه غير ممتنع أن يتفق لواحد أن يصدق في خبر اتّفاقا و تبخيتا، و مثله غير جائز في الأخبار الكثيرة من طريق العادة.
فإذا قيل له: فعلى هذا قد أجزت أن يكون الاختيار طريقا إلى تعيين الإمام، و هذا بخلاف مذهبك.
يقول في الجواب: إنما أنكرت أن يكون الطريق الى تعيين الإمام اختيارا
[١] م: يعلم.