المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٨٩
ثوابا، بل بكونه معصوما فلا يلزمنا الدور.
فإن قيل: لو اتّفق فيمن كان أكثر ثوابا أن يكون ناقصا في العلم بالسياسة و في الأفضل في العلم بالسياسة أن يكون مفضولا في الثواب فأيهما ينصب للإمامة؟.
قلنا: ينصب كلّ واحد منهما إماما لمن دونه في الخصلتين جميعا، و لا يقدّم المفضول على الفاضل، لأنّه قبيح لثبوت وجه القبح فيه على ما بيّناه، هذا هو الذي يقضى به من جهة العقل، لكنّا علمنا من طريق السمع أنّ الإمام لا يكون إلّا واحدا، فانكشف لنا أنّ هذا المقدّر لا يتّفق قطّ.
فإن قيل: هلّا جاز تقديم المفضول على الفاضل إذا كان في الفاضل مانع يمنع من تقديمه و في تقديم المفضول مصلحة؟.
قلنا: لا يجوز ذلك لأنّا بيّنا أن كونه تقديما للمفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه وجه قبح، و مع ثبوت وجه القبح يقبح الفعل و إن ثبت فيه عدّة من وجوه الحسن، ألا ترى الظلميّة لمّا ثبت أنّها وجه قبح لم يجز أن يحسن ظلم ما بسبب أن يكون فيه مصلحة لأحد و بأن يكون فيه نفع عاجل، و لئن جاز ما ذكره السائل لجاز تقديم الفاسق على الصالح و الكافر على المؤمن بأن يكون في الصالح و المؤمن مانع، فالقوم في هذا الإلزام بين أمرين: إمّا أن يرتكبوا جواز ذلك فيكونوا قد تركوا مذهبهم، إذ هم لا يجوّزون تقديم الكافر على المؤمن و لا الفاسق على المصالح بوجه من الوجوه، و إمّا أن لا يرتكبوا ذلك فيكونوا قد أبطلوا قولهم.
فإن قيل: ما تدعونه يبطله فعل النبيّ عليه السلام، لأنّه عليه السلام قدّم خالد بن الوليد و عمرو بن العاص على أبي بكر و عمر، و زيد بن حارثة على جعفر ابن أبي طالب، و هؤلاء كانوا أفضل ممّن قدّمهم عليهم، فكيف تحكمون بقبح تقديم المفضول على الفاضل مطلقا؟.