المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٨٥
لما يستحقّ الذم و العقوبة لأنّا انّما نعظّمه على ما يظهر لنا منه من الخبر لا مطلقا بل بشرط أن يكون قد أتى بما أتى به من الخبر لوجوبه أو لحسنه لا رياء و سمعة، هذا هو الذي تعبّدنا به في حقّ بعضنا لبعض، و ليس كذلك تعظيمنا للإمام، لأنّا تعبدنا بتعظيمه مطلقا من غير شرط.
و أمّا الذي يدلّ على كونه معصوما قبل إمامته فهي ما قد ثبت أنّ قوله حجّة في الشرع كقول الرسول، فيجب أن يجنب كلّ ما يجنب الرسول عنه من المنفرات، و ذلك يقتضي عصمته في جميع الحالات كما في الرسول، فإذا فرضنا الكلام في مجرد ما يقتضيه العقل لم نوجب فيه ذلك، و إنّما نوجب أن يكون معصوما في تصرّفه في الرعية و إمامته، و يمكن أن يستدلّ على عصمته في جميع أفعاله الظاهرة لنا و الخافية عنّا و قبل إمامته بأن كلّ من قال بوجوب عصمته في جميع الأفعال الظاهرة التي هي من أفعال الجوارح قال بوجوب عصمته في جميع أفعاله و في جميع أحواله، و لم يفرّق أحد بين بعض الأفعال و بين بعض، و لا بين بعض الأحوال و بين بعض في ذلك و إذا سلكنا هذه الطريقة لم نكن قد رجعنا في إثبات تمام عصمته و كما لها إلى الشرع، فيؤخذ علينا و يقال: انتم في إثبات الصفات التي يجب اتّصاف الإمام بها عقلا، دون ما يرجع في إثباته إلى الشرع، لأنّ الإجماع طريق كونه حجّة عندنا العقل.
و لكنّه يمكن أن يعترض هذه الطريقة بأن يقال: الاحتجاج بالإجماع و ما يؤول إليه لا يصحّ في كون الإمام معصوما في باطنه و ظاهره، لأنّه لا يعلم كون الإجماع حجّة إلّا بعد أن يعلم اشتماله على قول معصوم في جميع أفعاله، لأنّا إن جوّزنا أن يكون المعصوم الذي هو فيما بين المجمعين إنّما يكون معصوما في أفعال الجوارح دون أفعال القلوب جوّزنا عليه الكذب من حيث إنّ الكذب نفسه و إن كان من الأفعال الظاهرة لنا، إلّا أنّ كونه كذبا لا يتمّ إلّا بالقصد إلى الإخبار، و القصد خاف عنّا، و هو ممّا يعد في أفعال القلوب، فعلى هذا نجوّز