المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٨٤
و بعد فإنّ العصمة إذا كانت ضربا من ضروب اللطف و معلوم أنّه انّما يجب عليه تعالى أن يلطف للمكلّف بأمر من الامور إذا كان في المعلوم أنّ ذلك الأمر لطف له، فأمّا إذا لم يكن للمكلّف لطف في المعلوم فانّه لا يجب عليه تعالى أن يلطف له، فكيف يصح القول بأنّه لطف يجب في حكمة اللّه أن يخلق جندا معصومين، و كان من حقّه أن يقول: يجب في حكمته تعالى أن يخلق جندا معصومين إن كان في المعلوم أن لهم لطفا يعزمون عنده على ما ذكرنا، و إن لم يكن في المعلوم ذلك وجب أن لا يكلّف المكلّفين على قاعدتكم ليكون لما ذكرناه و ألزمه وجه، فأمّا إذا لم يقل كذلك و أرسل القول و أطلق بأنّه يجب في حكمته تعالى بأن يخلق جندا معصومين، فذلك ممّا لا وجه له.
و لئن قال كذلك لكان الجواب عنه ما سبق من أنّ المكلّفين الذين هم جنده و رعيته إذا لم يكونوا معصومين فلم ينصروه و لم يعينوه على السياسة و إقامة الحدود و يفوتهم بسبب ذلك لطف الرئاسة، فانّ ذلك يكون من جهتهم و بجنايتهم و انّما أتوا به من قبل نفوسهم و لا يجب بسببه سقوط التكليف عنهم، كما لا يجب سقوط التكليف عمّن يخلّ بالعبادات الشرعية فيفوته لطفها.
فإن قيل: فما استدللتم به انّما يدلّ على عصمة الرئيس في الأفعال الظاهرة التي تصرفه يكون لطفا فيها و هي أفعال الجوارح، فمن أين وجوب عصمته في الأعمال الباطنة التي هي من أفعال القلوب؟ و من أين وجوب عصمته قبل إمامته؟.
قلنا: الذي يدلّ على وجوب عصمته فيما لا يظهر لنا من أعمال قلبه هو ما قد علمنا أنّ اللّه تعالى تعبّدنا بأن نعظّمه تعظيما لا يوازيه تعظيم أحد سواه من رعيته، و لا يجوز أن يتعبّدنا اللّه بتعظيمه على هذا الحدّ و هو ممّن يجوز أن يكون في باطنه سيئ السريرة خبيث العقيدة مستحقّ اللعن و البراءة منه، و لا يعترض على هذا أنّا تعبدنا بتعظيم بعضنا لبعض، مع تجويزنا أن يكون في باطنه فاعلا