المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٩
فإن قيل: إذا أمرنا اللّه تعالى باتّباع سبيل المؤمنين وجب أن يكونوا موجودين في كلّ عصر و أن لا يخلو زمان من جمع من المؤمنين، و إلّا كنا قد كلّفنا ما لا نطيقه.
قلنا: هلّا كان تكليفنا باتّباعهم تكليفا مشروطا بوجودهم، فمهما وجدوا و علمنا وجودهم، وجب علينا اتّباعهم، و إن لم يوجدوا و لا نعلم وجودهم لا يتوجّه علينا في ذلك تكليف هذا، كما في قوله تعالى: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» [١]، لأنّه لا يقتضي وجود السراق في كلّ وقت، حتّى يمكن امتثال الآية و الأمر فيها، بل هو أمر مشروط بوجود السرّاق، إن وجدوا، يلزم الإمام امتثال الأمر فيهم و إلّا فلا، كذلك في مسألتنا.
تعلّقوا أيضا بقوله تعالى: «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» [٢].
قالوا: و الوسط العدل، قال اللّه تعالى: «قالَ أَوْسَطُهُمْ» [٣] أي أعدلهم فاللّه تعالى عدّل أمّة الرسول و حكم بعد التهم، فوجب أن يكونوا معصومين لأنّه لا يجوز أن يعلم منهم خطأ و معصية ثم يعدّ لهم، هذا كما أنّ أحدنا إذا عدّل غيره وجب أن لا يطلع منه على معصية و مأثم، و مهما اطّلع على ذلك فليس له أن يعدّ له، و إذا كان كذلك فمن يعدّ له تعالى وجب أن لا يطلع منه على خطأ و إذا لم يطلع تعالى منه على خطأ وجب أن لا يكون مخطئا قطعا لأنّه تعالى علّام الغيوب، بخلاف الواحد منّا فانّه يجوز أن لا يطلع [٤] على خطأ الغير و إن كان الغير مخطئا في نفسه. و أكدوا ذلك بأن قالوا: إنّ اللّه تعالى جعلهم شهداء على
[١] المائدة: ٣٨.
[٢] البقرة: ١٤٣.
[٣] القلم: ٢٨.
[٤] قوله: «على خطأ و إذا لم يطلع ... الى قوله: أن لا يطّلع» سقط في (ج).