المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٧
ما لا نطيقه [١] من أنّا إذا لم نتّبع غير سبيلهم، فلا بدّ من أن نتّبع سبيلهم، و لا يمكن إلّا هكذا، فلو قبح اتّباع سبيلهم كقبح اتّباع غير سبيلهم و حظره لكنّا غير متمكّنين من التحرّز عن القبيح المحظور، و ذلك غير جائز.
قلنا: ليس الأمر على ما توهّمه السائل، فانّ التحرّز من الاتّباعين جميعا ممكن، و نحن متمكّنون من أن لا نتّبع سبيلهم، و لا سبيل غيرهم و إن لم يكن السبيل إلّا سبيلين، و ذلك لأنّ الاتّباع ليس هو مجرّد أن يفعل المتّبع مثل فعل المتّبع في الصورة و الوجه، بل فيه قيد آخر باعتباره يتحقّق الاتّباع و هو أن لا يفعل المتّبع لأجل فعل المتّبع فيكون مقتديا به [٢]، و هذا ممّا يتصوّر انفكاك المكلّف منه حتى لا يفعل شيئا ممّا يفعله لأجل فعل غيره و إن اتّفق فعلاهما في الصورة و الوجه، فبطل ما ذكره السائل.
و منها: أنّ الآية لو دلّت على تعبّدنا باتّباع سبيل المؤمنين لكانت إنّما تدلّ على تعبّدنا باتّباع سبيل من كان مؤمنا حقيقة، و علمنا كذلك لا من ظاهره الإيمان من غير أن يكون باطنه موافقا لظاهره، لأنّ من كان كذلك لم يكن مؤمنا حقيقة، بل كان منافقا، فإذا تعبّدنا باتّباع سبيل المؤمنين وجب أن نعلمهم مؤمنين حتى نتّبع سبيلهم، و لا شكّ في أنّا لا نعلم إيمان غيرنا و لا نقطع عليه، إلّا إذا علّمنا اللّه تعالى ذلك، كما أعلمنا في المعصومين، فعلى هذا اقتضت الآية اتّباع المعصومين، و هذا ممّا لا نأباه، بل نقول به، و هو عين معتقدنا و مذهبنا.
و لا يعترض كلامنا هذا قوله تعالى: «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ» [٣] و قوله:
«فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» [٤] و أنّ المراد بالمؤمن في الآيتين المظهر للإيمان لا من يكون
[١] م: و لكنّا كلّفنا ما كنّا نطيقه.
[٢] م: مقيّدا به.
[٣] الممتحنة: ١٠.
[٤] النساء: ٩٢.