المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٥
و أمّا قول السائل لا يجوز في فعلين يحسن كلّ واحد منهما على الانفراد أن يقبحا عند الاجتماع فباطل و ذلك لأنّ العقد على كلّ واحدة من الاختين حسن و الجمع بين العقدين قبيح.
و أمّا ما ذكره من مشاقّة الرسول فانّما علمنا بوجه الوعيد عليها وحدها لا بحكم الظاهر، و لو خلّينا و الظاهر لما حكمنا بأنّ الوعيد متوجّه نحو من تفرّد بمشاقّته عليه السلام عن اتّباع غير سبيل المؤمنين.
فإن قيل: إذا ثبت أن مشاقّة الرسول وحدها قبيح، و أنّ الوعيد متوجّه عليها وحدها و إن علمنا ذلك بدليل آخر على ما قلتم فانّه لا يجوز أن يضمّ إليها ما لا يكون وحدها قبيحا و يتوعّد عليهما، جميعا، لأنّه لا يجوز أن يضم الى القبيح المستحقّ عليه الوعيد ما لا يكون قبيحا و لا يستحقّ عليه الوعيد وحده و يلحق الوعيد بهما.
قلنا: غير ممتنع فيما لا يكون قبيحا على الانفراد أن يصير قبيحا بالانضمام إلى القبيح، ألا ترى أن شرب الماء حسن غير قبيح، فإذا شيب بالخمر قبح شربه.
و منها: أنّ لفظ «سبيل» موحّد و ليس فيه ما يقتضي العموم من اللام المستغرقة و غيرها من مقتضيات العموم، فمن أين أنّ المراد به جميع سبلهم و في جميع الأحوال؟.
فإن قيل: لو أراد البعض لذكره.
قلنا: و لو أراد العموم لبيّنه، فلم تستدلّون بفقد دلالة التخصيص على العموم؟ و لم تستدلّوا بفقد دلالة العموم على الخصوص، فالآية مجملة من هذا الوجه، فلا يصحّ التمسّك بها.
و منها: أنّ الآية اقتضت حظر اتّباع غير سبيل المؤمنين، و لم يجر لسبيل المؤمنين ذكر، فمن أين حسن أتباع سبيلهم، و لعلّ ذلك أيضا محظور؟.
فإن قيل: حظر اتّباع غير سبيلهم يقتضي حسن اتّباع سبيلهم بحكم دليل الخطاب.